Friday, 30 September 2011

 
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
 
الحب في زمن الكوليرا
 
 
       أ.د. قاسم حسين صالح        
 
لا تكاد تمر عطلة صيفية دون ان اتصفح اوأعيد خلالها قراءة رائعة ماركيز ( الحب في زمن الكوليرا ). ولقد شاهدت أحداث الرواية في فلم سينمائي بالعنوان نفسه تعامل المخرج معها بطريقة تجعلك ترغب في مشاهدته ثانية .
يبدأ الفلم من حيث تنتهي الرواية ..بموت زوج ( فرمينا – حبيبة البطل ) وهو طبيب وسيم أحبها جدا وأنجب منها ثلاثة . وفي اللحظة ذاتها كان ( فلورنتينو – بطل الفلم ) ينام مع ( أمريكا ) ..شابة جميلة !. يفتح الشباك فيرى المشهد الجنائزي . يودع ( امريكا ) ويذهب لبيت فرمينا حبيبته التي صارت عجوزا ويقول لها :
+ هذه هي اللحظة التي انتظرتها 51 سنة و 9 أشهر و 4 أيام ، والآن منّ الله عليّ بتحقيق عهد  الوفاء الأبدي والحب السرمدي .
توبخه على وقاحته ، كيف تجرّأ بهذا الكلام في يوم وفاة زوجها . تطرده وتأمره أن لا يريها وجهه بعد الآن.
تمر أيام .تهدأ ..تفتح خزانتها ..تقرأ رسائله وترى في احداها خصلة من شعره ..ويبدأ الفلم يحكي قصة حبهما وهما شابان .
المهم هنا هذا السؤال : شاب يقع في حب فتاة ويرفض الزواج من غيرها منتظرا نصف قرن ليموت زوجها! ..هل هذه حالة صحية أم مرضية ؟
 قد يكون صحيحا قول شاعرنا :
           نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب الا للحبيب الأول
ان كان يعني به : أن القلب يبقى يحن لحبيبته الأولى حتى لوتزوج  ثلاثا!. لكن فلورنتينو لم يتزوج ، وقرر أن لا يمارس الحب طوال حياته ، الى أن اغتصبته امرأة في ليلة ظلماء  ففتحت شهيته نحو الجنس ..وافتتح يومها كتابا عنونه : ( النساء ) يسجل فيه اسم الفتاة وتفاصيل الواقعة ! حتى بلغ مجموع مغامراته ( 622) فتاة وامرأة !. ولما سأله شاب عن سرّ تعلّق الفتيات ، أجاب :
 + انني أؤذيهن بمتعة من شدة ألمي .
 فيما يعني نفسيا أنه يجد فيهن بديلا يتوهمه حبيبته فيمارس الحب معهن بعنف اشتياقه لها ، او ربما عقابا لخيانتها له .
والحالة المرضية هذه اسميها (عُصاب الحب). وأعني بالعصاب دافعا قسريا يسيطر على صاحبه ويلّح عليه لتنفيذه ، ولن يدعه يرتاح الا حين يحققه. وبوصف فلورنتينو الجميل: (أنها- يقصد حبيبته- شظية لايمكن اخراجها!) .وينتهي الفلم بمشهد زواج العروسين في سفينه يطلب فلورنتينو(مالكها) من قبطانها رفع العلم الأصفر للدلالة على وجود اصابات كوليرا فيها، ليبقى مع حبيبته بالبحر..للأبد!
تتهيأ لإستقباله، يدخل فيقول:
+ هذه اللحظة اللتي انتظرتها 54 سنة وسبعة اشهر و 11 يوما وليلة، بقيت فيها بتولا من اجلك! .
يندسان في الفراش ، يضمها الى صدره (قلبي وصل لمبتغاه الآن ) ..ويهمس في أذنها :  (انها الحياة ، وليس الموت ، التي لاتعرف حدوداً )..ويتوحدان في الحب كما لو كانا شابين..لا في السبعين !.
ومن غرائب عصاب الحب هذا أنني قرأت خبراً في جريدة ( الحياة )عن رجل في التسعين قرر أن يتزوج حبيبته الأولى وهي في التسعين أيضا، بعد أن تزوج قبلها ثلاثا ، وتزوجت هي اثنين رحمهما الله!.
ومن غرائبه أن معظمنا يعدّه حباً جميلاً مع انه مرض نفسي. وثمة مؤشر يفيدك في تفحص نفسك، فإن كنت ممن أعاد قراءة (الحب في زمن الكوليرا)، أوغلبتك دموعك مثلي حين شاهدت الفلم! فأنت بالتأكيد مصاب بهذا العصاب الجميل!.
 


 
الصداقة العراقية في ألمانيا
العراقيـــون وشخصيــة (إمــا..أو )
 
أ.د.قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية
 
لفت انتباهي ان عددا كبيرا من العراقيين من نوع شخصية (اما.. أو) وهذا النوع من الشخصية يضعك بين خياريين، كليهما لصالحه ويشترط مسبقا شروطا حادة تقع في اضيق الزوايا واسوأ الأماكن، ويعمد الى اغلاق الحوار ليدفعك باتجاه القبول برأيه..ولك ان تلحظ ذلك في الأمور الاجتماعية بين الناس وعلاقة الزوج بالزوجة، وفي السياسة ايضا..حتى في البرلمان (التصويت على نواب رئيس الجمهورية.. لو بسلّة وحدة.. لو نلوصها!)..ويعملها لصالحهم، والشعب "يدك راسه بالحايط".
ولأننا، نحن السيكولوجيين، نحلل الشخصية من الداخل ، فان من لا يعلم عن  شخصية (اما.. أو) نقول له : ان طبيعة هذه الشخصية تكون عصبية، نزّقه انفعاليا، تسعى الى تسليط الاضواء نحوها ، وتجمع الانظار بأتجاهها، وتكون مهووسه بأشهار هويتها للناس.
ولأنها قليلة الانفتاح على الآخرين، فأنها شديدة الانانيه نحو نفسها، تنكر على منافسيها وحتى اقرانها حقهم في الوجود او التملك او القيادة او المبادرة،معلنه شرطها القاتل: (اما.. او) والتمترس خلف رأي او موقف واحد ومحدد..نابع من ذهن ضيق و (عقل احول). ولهذا فأن الحوار معها لا مكان له، والنقاش معها يأخذ مسارا واحدا متجها نحو نقطة بعينها لا تفرّع منها ولا مشاركة فيها..ويبدو لي أن هذه الشخصية شكّلتها ثلاثة مصادر:السياسة وقيم قبلية وفهم خاطيء للدين فسّره عدد من المجتهدين بصيغة (اما..أو).
ولقد وجدنا أن هذه الشخصية تحمل في داخلها معاناة، ولهذا فان صاحبها يتخبط في تصرفاته بسبب ان شخصية (اما..أو) تتحكم بها انفعالات غير متزنه..وتقلبات في المزاج وعصبية حاده، ولهذه الاسباب، فأنها تفتقد القدرة على اتخاذ القرار.
واخطر ما يحصل على صعيد الأسرة ان ربّ (ربّة) الأسرة اذا كان من نوع شخصية (اما.. أو) فأن اولاده يكونون معرضين للأصابة باضطرابات نفسية..
لاسيما العصبية (النارية) وتقلّب المزاج، وانغلاق الذهن،وحياة أسرية متشنجة. لكن الاخطر من ذلك ان تكون شخصية (اما..أو) في مواقع اتخاذ القرار. ففضلا عن انها ضعيفة الاداء..قليلة الانجاز، ويصعب التعامل معها، ومتسرعة في اتخاذ قرارات فردية، فأنها ترحّل قصور او فشل مؤسستها المسؤولة عنها الى العاملين فيها.فاذا كان صاحب هذه الشخصية مديرا عاما مثلا،فانه يصوغ الأمر على النحو الآتي:
اما ان اكون انا سبب الفشل او
 انتم..وبما اني وضعت في هذا المكان لأنني كفؤ..
فأنكم انتم سبب الفشل والتقصير.
ولأن الحوار ينعدم مع صاحب هذه الشخصية فان ذلك ينعكس سلبيا على منجز المؤسسة، لأن الأحباط النفسي يشيع بين العاملين فيها ويشعرون باليأس من أصلاح الحال. اليس هذا ما يحصل فعلا  في عدد من مؤسسات الدولة ويرحّل التقصير فيها الى غير أسبابه الحقيقية..؟. والكارثة أن بقاء هؤلاء في مواقع المسؤولية (وهم باقون..ترضون ما ترضون) لا ينفع معهم مائة يوم..
ولا حتى دهرا!
 
 


Saturday, 24 September 2011

شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا Frankfurt-Germany


الاختلافات والفروق البايولوجية والاجتماعية بين الرجل والمرأة

د. ابراهيم الحيدري
 بالرغم من كثرة ما كتب حول الفروق والاختلافات بين الجنسين من النواحي البايولوجية والاجتماعية والنفسية ، فان من الصعب الوصول الى نتائج ثابتة ويقينية .واذا كانت الاختلافات البايولوجية اكثر بروزا ، فان الاختلافات الاجتماعية والنفسية ما زالت موضع نقاش لم ينتهي بعد. وكان هناك من يفترض، حتى وقت قريب، ان الاختلافات النفسية رئيسية وهي ناتجة عن التكوين البايولوجي ، وبالتالي فان بعض القابليات العقلية لا يمكن للمرأة امتلاكها . ولم تتغير هذه الاراء الا منذ فترة قصيرة نسبيا . ومع ان دماغ المرأة اصغر حجما من دماغ الرجل، الا انه قادر على اكتساب القابليات مثل الرجل ، وان النساء يمكن ان يقمن بكثير مما يقوم به الرجل وعلى قدم المساواة معهم.
وكان هكسلي وهادن اكدا بان هناك فروق بين الجنسين من الناحية البايولوجية والنفسية ولكن الاختلافات البايولوجية اكثر بروزا من غيرها ، غير ان هذه الاختلافات لا تخبرنا الا عن القليل عن النواحي الاجتماعية والنفسية ، كما ان هذه الاختلافات لا تعني الكثير الا عندما يتم تفسيرها وفق معايير وتوقعات ثقافية معينة. لذا علينا ان نبحث عن الاجوبة عند علماء الاجتماع وعلماء النفس والانثروبولوجيا، الذين يؤكدون على ان النشاط الانساني عموما لا تنظمه البايولوجيا مباشرة، وانما هو نتيجة لتفاعل الميول البايولوجية مع المعطيات الثقافية. كما دلت الدراسات البايولوجية حول السلوك البشري التي اجريت على الجنسين، على ان البايولوجيا تقيد سلوك الجنسين ولكنها لا تحدده تماما ، وان الاختلافات البايولوجية انما تعكس التفاعلات بين تركيبنا الجسدي وبين نماذج حياتنا الاجتماعية والثقافية.
كما اكدت الدراسات الانثروبولوجية الحديثة حول منشأ الادوار عند الجنسين وتوزيعها بينهم ، على ان الحيوانات العليا ، وفي مقدمتها الانسان، تختلف في سلوكها من نوع الى آخر وتتراوح بين اساليب السيطرة وبين العلاقات المتساوية نسبيا والتي ترتبط بالبيئة والمحيط الاجتماعي الذي يحدد الميول المسلكية المتميزة عند الذكور والاناث.
لقد ذكر الكسيس كارل عام 1935 بانه يجب الا نعطي الفتيات نفس الثقافة ونفس الاسلوب في الحياة ونفس المثل الاعلى الذي يعطى للصبيان ، وان على المربين ان يأخذوا بنظر الاعتبار جملة الاختلافات العضوية والنفسية بين الذكر والانثى ودورهما الطبيعي، وان ندخل هذا في حسابنا عند بناء العالم المتمدن .
غير ان هكسلي وهادن كانا على العكس من هذا الرأي ، حيث اكدا ، بان الفروق الظاهرة بين الجنسين انما تنشأ وبالدرجة الاولى عن التربية والثقافة ، وان النظرة الى المرأة كانت قد ارتبطت منذ فجر الحضارة الانسانية بالنزعة الابوية البطريركية . وبدون شك هناك اختلافات بايولوجية بين الجنسين ، فالمرأة قبل كل شيء هي الأم الاصل، لانها وعاء الحياة، فهي تحمل وتلد وترضع وتربي . وهذه الحقيقة البايولوجية تنعكس بشكل او آخر على حياة الجنسين الرجل والمرأة وعلى حياة الاطفال وتربيتهم وعلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية عموما . كما تقرر هذه الحقيقة ايضا ان الجنسين مختلفين من ناحية التنظيم التناسلي والخصائص الهرمونية وحجم الجسم والطاقة الجسدية. فالرجل بشكل عام هو اقوى من المرأة ، ولكن ما هو متعارف عليه خاضع دوما لاعتبارات اجتماعية وثقافية، لان علماء البايولوجيا لم يستطيعوا لحد الآن، بل وانهم عاجزون عن توضيح الاسباب التي تجعل من قوة الرجل ونشاطه موضعا للتقدير والاحترام، في اغلب الحضارات في العالم اليوم.
والواقع ان معظم هذه الاختلافات لا تخبرنا الا عن القليل عن النواحي الاجتماعية التي نعيشها ، وان الاختلافات البايولوجية لا تعني لنا شيئا الا عندما يتم تفسيرها طبقا لمعايير وقيم وتوقعات ثقافية معينة يعيشها الانسان . لذا علينا ان نبحث عن اجوبة لهذه التساؤلات عند علماء الاجتماع والانثروبولوجيا الذين باستطاعتهم ان يجيبوا عليها.
يعتقد علماء الاجتماع والانثروبولوجيا بان النشاط الانساني عموما وبخاصة العواطف والمشاعر لا تنظمها البايولوجيا مباشرة ، وانما هي نتيجة لتفاعل الميول البايولوجية مع المعطيات الثقافية ، وكذلك مع ما يساعد على تنسيق حياة الانسان وتطمين حاجاته وبناء نوعه ومحاولاته من اجل البقاء واستمراره في الحياة. ومن هنا فان الاختلافات البايولوجية بين الجنسين لا تعني بالضرورة وجود تطمينات اجتماعية وحضارية او سلوكية. كما دلت الدراسات والبحوث البايولوجية حول السلوك البشري التي اقيمت على الرجال والنساء والاطفال والبالغين من الجنسين وكذلك على الشواذ جنسيا، على ان البايولوجيا تقيد سلوك الجنسين ولكنها لا تحدده تماما ، وان الاختلافات بين الجنسين انما تعكس تفاعلات بين تركيبنا الجسدي وبين نماذج حياتنا الاجتماعتية وسلوكنا. وقد دلت الدراسات العلمية الحديثة التي بحثت في منشأ الادوار عند الجنسين ، بان الحيوانات العليا ، وفي مقدمتها الانسان ، تختلف في سلوكها من نوع الى آخر ومن فصيلة الى اخرى ، وتتراوح بين اساليب السيطرة وبين العلاقات المتساوية نسبيا والتي ترتبط بالبيئة . فالبيئة هي المسؤولة عن نوعية هذه العلاقات الى حد كبير . وبكلمات اخرى ، يبدو ان الحيوانات الرئيسية ، كالبشر ، مهما كانت الحتميات البايولوجية لسلوكها ، فهي تتمتع بقدرات مثيرة للاعجاب في تبني اشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية .
وفيما يتعلق بالهرمونات الجنسية لدى البشر هناك امران هامان ، الاول هو ان الاختلافات المسلكية المتعلقة بالجنس ذات طبيعة عددية وليست نوعية ، وثانيا ان مستويات الهرمونات ، التي يفترض انها تتحكم بالسلوك تتأثر بدرجة كبيرة بالتغيرات التي تطرأ على البيئة الاجتماعية . وقد بينت اختبارات ماكوبي وجاكلين السايكولوجية ، بان العديد من الذكور يسلك " كالاناث" ، وكذلك وجود مقاييس مختلفة التنوع للقدرات والاداءات بين افراد الجنس الواحد اكثر منه بين الجنسين . كما برهنت عدد من الدراسات بان البيئة المجهدة تسبب نقص في الهرمونات الجنسية ( التستو سييترون) وتوحي بان البيئة الاجتماعية والسلوك المستمد من المحيط يشجعان على ظهور الهرمونات وليس العكس. وهذا يدل على عدم وجود ميول مسلكية ثابتة ومتميزة بين الذكور والاناث من البشر . ولكن من المحتمل ان تؤثر الاساليب المختلفة في التصرف والتي تحددها الثقافة على الحياة الجسدية. فمثلا ان ربط القدمين في الصين قديما انتج نساء عاجزات تكوينا عن تحمل انواع معينة من الاعمال الجسدية.
والى جانب ذلك هناك دوافع اجتماعية تؤثر على التمييز بين الجنسين وفي مقدمتها ، ان قوة الرجل وحجمه اقتضيا ان يكون المسؤول في حالات الدفاع والهجوم وليس المرأة. فمن المعروف ان هناك بعض الفروق الجسمية ، غير التي تتصل بالخصائص الجنسية . فالرجال اعظم طولا واكثر وزنا من النساء 20 % ، بالرغم من ان النساء اكثر سمنة نسبيا. كما ان وزن دماغ المرأة المطلق والنسبي اصغر من وزن الرجل بالرغم من ان التركيب كبير بينهما . وتشير احدث الدراسات حول دماغ المرأة الى وجود اختلاف فيزيولوجي بين دماغ المرأة ودماغ الرجل وذلك باستخدام اساليب حديثة لدراسة فعالية الدماغ البشري لدى الجنسين اثناء النشاط والفعالية وقد وجد العلماء عند دراسة المناطق المسؤولة عن القراءة وتهجي الحروف في الدماغ لكل من الرجل والمرأة ، بان المرأة تفكر بطريقة مختلفة عن الرجل ، وان دماغ الرجل يستخدم في تحليل المعلومات منطقة محدودة من دماغه، وهي موجودة في النصف الدماغي الايسر، بينما دماغ النساء يقوم بتحليل الحروف المقروءة بواسطة منطقتين منفصلتين موجودتين في نصفي الدماغ الايسر والايمن لديهن.
وقد اكدت سالي سويتز المتخصصة في عالم السلوك البشري في جامعة بال الامريكية" انها المرة الاولى التي يستطيع فيها العلماء تحديد الفروق والوظيفة بين دماغ الرجل ودماغ المرأة، كما وجدت بان النساء قمن بأداء افضل من الرجال في التكلم والفصاحة، لكن الرجال اكثر قدرة على تحديد الاهداف المقصودة في الكلام. كما وجد العلماء بان قدرة الدماغ لدى النساء على الشفاء من السكتات الدماغية التي تصيب النصف الدماغي الايسر اكبر مما هي عليه لدى الرجال . كما اشارت سالي سويتز ، بان العمليات الفيزيولوجية في دماغ المرأة اكثر تعقيدا من تلك الموجودة لدى الرجل ، لكنها لم تقل بان دماغ المرأة افضل من دماغ الرجل.(6)
كما تعزز الدراسات العلمية الحديثة لتركيب دماغ المرأة ان الاختلاف بين دماغ المرأة ودماغ الرجل لا بعود الى التركيب الطبيعي للمرأة وانما الى تطبعها بسبب الظروف التي تعيشها في ظل الرجل طوال قرون عديدة . كما تعزو الدراسات الحديثة وجهات النظر التي تتردد الآن ، والتي تعتقد بان التركيب العقلي للمرأة اكثر انسجاما من الرجل وافضل تلائما مع عصر المعلمات.
ويعتقد البعض بان القفزات التعليمية التي حققتها المرأة خلال العقود الاخيرة في معظم ارجاء العالم ، ومنها الدول العربية دليل على ذلك ، فقد قفزت نسبة التعليم بين الاناث في العلم العربي خلال عقدين فقط 19 % الى 45% ن وفي بريطانيا حققت البنات نتائج افضل من الاولاد في المدارس ،( 46% مقابل 37 % للاولاد)،كما ظهر تفوق البنات ليس في المواضيع " الانثوية " التقليدية كاللغات والاداب ، بل تعداه الى المواضيع الرجالية " كالرياضيات والفيزياء والعلو التكنولوجية.
واذا كان دماغ المراة اصغر من دماغ الرجل فان ذلك يعود الى حجم جسمها الصغير بالمقارنة مع حجم جسم الرجل ولا تأثير له في قدرتها العقلية . وقد أيدت ذلك اجهزة الرنين الغناطيسي والتصوير الشعاعي الطبقي التي احدثت ثورة في تصوير الدماغ اثناء عمله وكشفت حقائق مثيرة، منها ان كتلة الالياف العصبية التي تربط بين شقي الدماغ الايسر والايمن اكبر حجما لدى المرأة من الرجل ، كما ان العلاقة بين نصفي دماغها اكثر تداخلا.
ومن الاختلافات الواضحة بين الجنسين هي ان الفتيات يبلغن سن النضج بسرعة اكبر من الصبيان ، وبالتالي فأنهن يسبقن الصبيان في ذات العمر، في القامة والوزن، حتى سن المراهقة. كما ان نسبة الوفيات عند الرجال هي اعلى منها عند النساء.
اما الفروق التي من الممكن ان يكون لها معنى سايكولوجي فهي التي تتصل بسرعة النضج والتفوق على الصبيان في نمو الكلام بعمر ادنى، وسعة المفردات وبنية الجمل وعدد الاصوات المستخدمة، مع ان الدراسات التجريبية ما زالت لم تؤكد وجود مثل هذه الفروق، ما عدا ما يخص التفوق اللغوي عند البنات.
اما من ناحية القدرات الحسية فقد برهنت الدراسات الحديثة على تفوق النساء قليلا من ناحية التمييز بين الالوان في حين يتفوق الرجال في القابليات الحركية والميكانيكية ، مع ان هذه الفروق ما زالت غير ثابته ايضا. وبحسب مقاييس الذكاء العام فالبنات تتفوق على الاولاد تفوقا قليلا حتى سن الرابعة عشر ثم يعود التكافؤبينهما.
وتدل البحوث الميدانية على تفوق النساء فيما يتعلق بالقابليات الكلامية العددية والمكانية والميكانيكية ، كما تتفوق بعض البنات في مقاييس الذكاء فيما يخص التعلم والذاكرة والفهم الاجتماعي. وقد اجرى إلبورت وفرنون دراسة ميدانية حول القيم ، فحصلت البنات على درجات اكثر ارتفاعا في القيم الفنية والاجتماعية والدينية مقابل حصول الذكور على درجات اعلى في القيم الافتصادية والسياسية والنظرية بشكل عام.
والحال ان بعض الاجهزة التي تتميز بها المرأة عن الرجل وتطورها، كالجهاز التناسلي وجهاز انتاج اللبن وبعض الاجهزة الاضافية التي لا يمتلكها الرجل كالرحم وتعقد بعض اعضاء المرأة مثل الكلية وتفوقها في ابراز حامض اليريك ثم حمل بعض الامراض الوراثية دون اصابتها بها كالصلع والهيموفيليا ( استعداد وراثي للنزف الدموي) وتصلب الشرايين قبل سن اليأس وزيادة عدد الكريات الحمر في دمها، عن الرجل ، كل ذلك يدل على التفوق البايولوجي للمرأة على الرجل.
وتشير الدراسات والبحوث العلمية في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي الى ان الرجال، عموما ، اكثر عدوانية وعنفا من النساء ، ليس بسبب العامل البايولوجي ، وانما بسبب العامل الاجتماعي والثقافي والسياسي، وخاصة النزعة الأبوية-البطريركية التي تدفع الى هيمنة الرجل وتسلطه على المرأة واخضاعها لسلطته الذكورية. ولكن الدراسات والبحوث الميدانية الحديثة تؤكد على ان الطاقات التي تمتلكها المرأة ليست اقل من الرجل اعتدائية او عدوانية. وقد قدمت عالمة الاجتماع الالمانية كرستيانة شميرل نتائج بحوثها الميدانية حول الاختلافات الاساسية بين الجنسين قائلة بان هذه الاختلافات لا يمكن تقريرها بدقة ، ولكن من الممكن القول بان النساء لهن ايضا القدرة على ممارسة العنف مثل الرجال . وقد لاحظت بان السلوك العدواني عند الذكور يبدأ في وقت مبكر ، وبصورة خاصة في فترة المراهقة، حيث يكون الذكور اكثر عدوانية من الاناث . وكلما يكبر الذكور والاناث كلما يصبحون متساويين تقريبا في اساليبهم العدوانية . والفارق الواضح بينهما هو ان الاناث ينضجن في وقت مبكر قبل الذكور ويتعلمن في وقت مبكر ويستخدمن عدوانيتهن في اساليب غير مباشرة، كالهجوم بالكلام ، في حين يكون الذكور اكثر شجارا وعراكا بالايدي والارجل من الاناث. ومن الملاحظ انه حين يتشاجر الاولاد فيما بينهم تقف البنات متفرجات ومعلقات بالكلام، وقد ينحزن الى جانب دون آخر ولا يهتممن بما يحدث وانما يسخرن من ذلك. وتصل شميرل الى القول بان الرجال هم المهاجمون رقم واحد . اما النساء فلهم ايضا ميل الى السلوك العدواني مثل الرجال ، ولكن عندما يكون العدوان موجها الى بنات جنسهن وذلك بسبب التعاطف والشعور بانهن ضحايا.
وتشير الدراسات الحضارية المقارنة ، ليس في العالم الغربي فحسب ، وانما في جميع انحاء العالم ، الى ان السلوك العدواني عند النساء ينتج عن بعض الظروف القاسية والضغوط الاجتماعية التي ترتبط بانماط من النساء وباسلوب حياتهن وصراعاتهن حول الامور المعيشية كالغذاء والنقود والملابس ومشاكل الاطفال والخلافات العائلية وبصورة خاصة الشجار مع الزوج . كما ان من مظاهر السلوك العدواني عند النساء ، بصورة خاصة في حالات الهجوم، انهن يستخدمن ايديهن كسلاح بالدرجة الاولى، وخاصة اثناء الشجار مع الزوج، مثلما يستخدمن اساليب كلامية ، كالسب والشتم لان الكلام هو سلاح المرأة الضعيفة في اغلب الاحيان ، او الامتناع عن الاكل او النوم معهم . وتخلص شميرل، الى ان الفروق في الميل الى العدوان بين النساء والرجال هو اقل من العدوان بين افراد مجتمع واحد ، او بين مجتمعات مختلفة. وكلما كانت النزعة العدوانية عند النساء قوية في مجتمع ما ، كلما كانت النزعة العدوانية عن الرجل اقوى.
والحال ان هذه الاختلافات تقودنا الى نتيجة، هي ان السلوك العدواني عند النساء يعبر عن نفسه بشكل آخر ،وكرد فعل على الفشل والاحباط الذي لا يعتبر عملا عدوانيا. كما لو انهن يتقبلن حالة الازعاج، مع ان لها عواقب وخيمة ومتاعب لاحقة.وعندما تقع النساء تحت ضغط ما ، فانهن ينفجرن بالصراخ والعويل وضرب الابواب او رمي ما في ايديهن من اشياء على الارض. وليس من النادر ان تحدث " لحظات خاطئة" عندما تخجل النساء من فقدان السيطرة على النفس او حين يهون عليهن ويعتبروهن ضعيفات بلا حول ولا قوة وتحت مقولة : "كم انت جميلة حين تكونين غاضبة!"
ان آلية الجهد العدواني الانثوي غير محدد ، كما تقول شميرل ، فالنساء يرفضن اكثر من غيرهم هذا السلوك ، وان يكون صمام امان عند حدوث متاعب كثيرة. وهذا يعني بالنسبة للنساء عدم اراقة ماء الوجه ، بعكس الرجال.
اما عالمة المفس آنا كمبل فقد أنجزت عدة دراسات وبحوث ميدانية ، خلال العقدين الآخريين حول سلوك مجموعات من الرجال والنساء البيض في الولايات المتحدة الامريكية ، الذين قاموا باعمال عنف غير قانونية ولا اخلاقية ، وتوصلت الى وجود اختلافات نوعية من السلوك العدواني بين الجنسين، وكذلك وجود اختلافات في الحكم على السلوك العدواني بين الرجال والنساء ، فالنساء يعتبرن السلوك العدواني هو فقدان السيطرة على النفس مؤقتا ، والذي ينتج عن ضغوطات نفسية ومشاكل اجتماعية واقتصادية قاهرة ، ولكن غالبا ما يتبعه شعور بالندم والذنب ، في حين يعتبرن ممارسة العدوان من قبل الرجال بمثابة وسيلة للسيطرة على انسان آخر عندما يجدون انفسهم بحاجة الى ذلك ، وكذلك من اجل القوة والشعور بالقيمة والاهمية الذاتية . واذا كان الميل الى العدوان يعني عند النساء الاخفاق في السيطرة على الذات فهو عند الرجال يعني السيطرة على الآخر بالقوة.
وتعتقد سابينه انسولد ، بان الرجال هم الذين شنوا الحروب وقاموا باستخدام القوة والعنف على مدى التاريخ. وحسب احصائيات دوائر المرور في اغلب دول العالم ، فانهم عموما يقومون باغلب حوادث المرور ويستخدمون اساليب عدوانية في قيادة السيارات.
والواقع ليس من الضروري الرجوع الى الاحصائيات العلمية حيث تكفي نظرة واحدة الى سلوك التلاميذ في فرص الاستراحة بين الدروس في المدارس لتؤكد لنا ان العنف هو عمل رجالي واذا حدث ان قامت النساء بعمل عدواني علنا فانه غالبا ما يكون عنف فضيع وبدوافع عديدة في مقدمتها المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وبخاصة الخلافات الزوجية ، او هو سلوك خليط من الخوف ممزوج باعتدائية نسوية ترتفع احيانا حنى تصل الى حالة التلذلذ بايذاء الرجل/ الزوج في اغلب الاحيان.


المصادر :

ابراهيم الحيدري، النظام الأبوي واشكالية الجنس عند العرب، دار الساقي، بيروت 2003 -1
2 –
Otto Klineberg, Social Psychology, New york1962
3 –
A. Karrel, Man, The Unknnown, 1935
4 –
sabine Etzold, Auch Frauen sind zu allen faehig, Berlin 2001
5 –
M. Rosaldo and L. Lamphere, Women,Culture and Society, california,1974


 
شبكة الصداقة العراقية في المانيا Frankfurt-Germany
 
المجتمع التواصلي وسلطة المعرفة
د. ابراهيم الحيدري
 
ان التحولات البنيوية السريعة التي رافقت نهاية القرن الماضي والتطورات العلمية والتقنية المكثفة التي تسير بوتائر سريعة، وبخاصة وسائل الاتصال الالكترونية التي حولت العالم الى قرية الكترونية صغيرة، كان من نتائجها الاولية تطور نظام عالمي جديد شديد الخصوصية، من معالمه انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي وقيام حرب الخليج، التي كانت تدشينا عمليا لآلياته الجديدة واخيرا انفجار ثورات الشباب في الشرق الأوسط حيث تدخل المجتمعات العربية مجتمع التواصل وتدشن عصرا جديدا وتترك ورائها اعباء الامس الثقيلة وتجبر الانظمة الفاسدة والدكتاتوريات على الهرب من غضب الشباب والاحتجاج السلمي ويعطي الشباب بالتالي معنى لوجوده. وهذا يعد بحد ذاته انتصارا للديمقراطية الوليدة في هذه المجتمعات التي لا تراجع عنها بعد اليوم.
ان قافلة البشرية تسير باتجاه واحد ويقودها اقتصاد معولم هو اساس التوحيد السياسي اللاحق. كما ان التطور في التنظيم الدولي المقبل سيقود، بشكل او آخر، الى عولمة الاقتصاد وعولمة الثقافة وتوحيدهما معا، كما حدث في اوربا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، عندما قامت الدول القومية الكبرى، ولكن مع فارق كبير بين ما حدث في الماضي وما يحدث اليوم.  فاذا كان التوحيد قد جرى في الماضي على اساس قومي، فان التوحيد يجري اليوم على اساس عالمي وسيقود في النهاية الى الغاء الحدود والمسافات بين الدول بحيث يتجاوز التوحيد السياسي الاقتصادي، وبمعنى آخر سيتجه العالم نحو "دولة عالمية" من سماتها حرية تنقل رؤوس الاموال ونقل المعلومات عبر وسائل الاتصال المتعددة وليس عبر الحكومات، كما لم تعد هناك رقابة كاملة من قبل الدولة، لان عصر العولمة هو ببساطة عصر اندماج وتوحد وتكامل وانفتاح وتواصل وانتشار افقي للمعرفة، لان ثمة ثورة معرفية، علمية- تقنية مكثفة تجتاح العالم اليوم، يرافقها تحول عميق في منحى السلطة في شكلها التقليدي الى آخر جديد، تعتمد فيه القوة والعمل والثروة على المعرفة، التي هي ليست المصدر الوحيد للسلطة فحسب، بل واهم مقوماتها .  
 
تظهر المعرفة العلمية- التقنية المعاصرة بوضوح في تحكم وسائل الاتصال الالكترونية الجديدة التي تقوم على اساس امبيريقي، والتي تشكل الاساس النظري القويم للعلم المعاصر، مثلما تشكل لب العولمة، كما تتجلى في القدرة على توحيد انماط الحياة الحديثة وطرائق التفكير والسلوك واساليب العمل على مستويات الانتاج والتوزيع والاستهلاك، وبالتالي نمذجة السلوك الثقافي واساليب التذوق الفني وطرائق الترفيه والمودة والمتع المادية والفكرية.
هذه المعالم الثقافية بدأت تظهر، وبخاصة في المجتمعات الصناعية التواصلية المتقدمة، بعد ان اخذت تكنولوجيا الاتصال تهيمن على الفضاء المعرفي، وبخاصة المعلوماتي، وتؤثر بشكل مباشر او غير مباشر على بنية المجتمع وكذلك على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وكذلك على التراتب الاجتماعي.
 
ان مجتمع المستقبل الآخذ بالتشكل ، سيكون مجتمعا افقيا لا مركزيا، من خصائصه تدفق المعلومات بكميات كبيرة وسريعة وتصبح عن طريق وسائل التواصل الالكترونية الجديدة كالانترنت والفيسبوك والتويتر وغيرها  في متناول الجميع، وكذلك عن طريق الكتاب والجريدة والرياضة والالعاب، مثلما تنتشر طرائق الاكل واللباس والموسيقى والغناء وغيرها.  ومثال على ذلك مكتبة الامزون (في الانترنت) التي تأسست عام 1995 لتوزيع الكتب والمجلات والدسكات واشرطة الفيديو وغيرها، وايصالها الى زبائنها بعد يومين فقط.  وخلال سنوات قليلة اصبحت من اكبر دور الكتب في العالم وتضم اليوم عشرات الملايين من الكتب والمجلات والدسكات وغيرها.
ان هذه التغيرات والتحولات الجذرية في توصيل المعرفة بسرعة فائقة وجعلها في متناول الجميع ، ستهدم كثيرا من العلاقات الاجتماعية التقليدية وما تبقى من الهرم الاجتماعي الطبقي والتراتب الاجتماعي العامودي في المجتمع، بحيث لم يعد هناك مجتمع طبقي ، لان المجتمع الافقي الجديد في طريقه لخلق طبقة اجتماعية جديدة لا تقوم على اساس تقسيم رأس المال والعمل، وانما على اساس المهارات المعرفية العالية وبخاصة التكنولوجية، بعد ان اصبح رأس المال، وللمرة الاولى في تاريخ العالم، عنصرا غير حاسم في عملية الانتاج، ولم يعد هناك تقسيم تقليدي للعمل (عمل عضلي وعمل فكري) يلعب دورا مهما في المجتمع، لان المعرفة التقنية اصبحت اساس الانتاج وبذلك لم يعد لرأس المال والايدي العاملة ذلك الدور الرئيسي الذي كانت تحتله في الدولة القومية.
 
يطلق الفيلسوف وعالم الاجتماع الالماني يورغن هابرماس على "مجتمع ما بعد الحداثة" او "مجتمع ما بعد التصنيع" المعولم ب " المجتمع الافقي "، الذي يقود الى تحديث مستقل من خصائصه انفكاك العقلانية عن الحداثة وهيمنة الآداتية لصالح القوى الاجتماعية صاحبة السيطرة والنفوذ، والنزوع الى السيطرة على الانسان من جديد وامتدادها الى الكواكب الاخرى، وتكون المعرفة والثقافة فيه عامة ومشتركة تربط بين الافراد والجماعات بهاجس مشترك واحد، بغض النظر عن القومية والهوية الثقافية والمكانة الاجتماعية.  غير ان اهم ما يميز هذا المجتمع هو عدم وجود يقين ثابت ولا تمييز بين الحقيقي والزائف.
ان تطور مثل هذا المجتمع يلغي المركزية الصارمة قليلا او كثيرا ويعطي للفرد دورا اكبر بحيث تاخذ الذات مكانها في مركز الفعل الاجتماعي.  وبهذا الخصوص يقول ميشيل فوكو، بان اهمية السلطة المطلقة ستزاح من موقعها التاريخي القديم ليحل محلها دور الفرد وفاعليته في التاريخ، وهو ما يفتح آفاقا جديدة لمرحلة اكثر تحديثا، وستستتبعها مرحلة اعلى توزع فيها المركزية بين فئات اجتماعية عريضة، لا طبقية، حيث يتحول المجتمع الطبقي العامودي الى مجتمع افقي متعدد الهويات، وبهذا تزول بالتدريج ديكتاتورية المؤسسة الاقتصادية التي اصبحت عائقا امام تطور القدرات الذاتية للافراد خارج اطارها.  كما سيتبعها تفكك البنية العسكرية، ويتم بذلك تفكيك الدولة المتعددة القوميات والآيديولوجيات.
لقد اخذت قسمات القرن الواحد والعشرين بالتغير، ومن أهم المؤشرات على ذلك هو النمو السكاني السريع الذي شكل انفجارا كبيرا في العالم.  فاضافة الى ظاهرة الجمهور التي رافقت توسع المدن، ظهرت الصورة التي ينصهر  فيها الافراد الذين لا يمكن عدهم وحصرهم ولا تحديد هويتهم وذلك بحلول الجماعات المسيرة وادخال الوعي الرمزي لاعداد كبيرة من البشر في شبكات الاتصال التي ما فتأت بالتوسع المطرد من جهة، وتحولها الى "حشود متمركزة والى جمهور وسائل الاعلام المبعثر"، الى جانب سيول السيارات وازدحام الشوارع وتشابك الافراد في شبكات تواصل الكترونية عديدة .
اما التبدل البنيوي الهام فيحدث في نظام العمل الجديد الذي تحركه وسائل الانتاج التي توفر مزيدا من العمل والخدمات، اي تصعيد في انتاجية العمل وكذلك تحديث في الاقتصاد العالمي، الذي لم يغير بنية العمل فحسب ، وانما في تزايد سرعته حيث يتم تحديث الاقتصاد باطراد وفي جميع البلدان منذ الثورة الصناعية وحتى الآن.  وتتسم المجتمعات ما بعد الصناعية اليوم بقطاع جديد في مجالات العمل والخدمات التي تعتمد على العلم والتقنية المتقدمة واحداث قفزات نوعية في مجال التصنيع على حساب القطاع الزراعي وازدياد النمو الحضري وما يرافقه من تخريب لحياة المدن.
 
وبسبب تطور تكنولوجيا الطاقة النووية والتصنيع العسكري والطبي وتطور وسائل المواصلات والاتصال الالكترونية ، التي غيرت من الانجازات التقنية كالسيطرة على الطاقة الذرية وغزو الفضاء وفك رموز الجينيوم البشري واقتحام عالم الطبيعة وفك الغازها وغيرها ، التي تتطلب تعاملا خاصا مع الآلات تعاملا لا يزعزع الثقة ويزيد من المخاطر المتنامية حولها ، وبخاصة التواصل الرقمي (الديجيتال) والانترنت والموبايل والفيسبوك والتويتر وغيرها ، الذي يفوق كل وسائل الاعلام الاخرى مدى وسرعة وقدرة وتنوعا، وكذلك وسائل المواصلات الحديثة التي تربط بين الارض وبين الكواكب الاخرى، فان نتائجها الاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية لا يمكن تقدير حجمها وقياسها بعد.
 
ان مجتمع العمل الذي تحول الى مجتمع التواصل يواجه اليوم تحديات ما بعد الدولة القومية. فالعولمة التي تتمثل في انتشار المواصلات وحشود السياح وحضارة الجماهير التي تتقاطع مع مخاطر التقنيات وتجارة السلاح وتلوث البيئة في اشكاله المختلفة،  ترمي بثقلها اليوم على قوة التماسك في المجتمعات القومية وفي الاسواق المعولمة والمجتمعات الاستهلاكية والتواصل الجماهيري والسياسة. 
 
كما يرتبط مجتمع التواصل بالمواطنة والهوية والقومية، كما تتجلى بالاتحادالأوربي وبالوحدة الالمانية وتحرر دول شرق ووسط اوربا عن الوصاية السوفيتية والنزاعات القومية المتفجرة في اوربا الشرقية التي انتجت النقاش المستمر حول الهجرة واللجوء والحق الديموقراطي في تقرير المصير وفي الحفاظ على الثقافة والتعايش السلمي في اطار دولة القانون التي تحفظ حقوق الانسان والمواطنة التي لا تنغلق على نفسها. فهي وحدها تستطيع ان تهيء الطريق لوضع المواطن العالمي الذي يتخذ شكلا من التواصلات السياسية العالمية.  فمواطنة الدولة ومواطنة العالم، كما يقول يورغن هابرماس، تشكلان معا استمرارية بدأت ترسم، ولو في خطوط عريضة، معالم المستقبل.  ولهذا تتطلب التعددية الحضارية مرآة تعكس ما تحتاج اليه الأقليات القومية لحماية نفسها من حكوماتها ذاتها.  ولا يمكن تحقيق ذلك الا في اطار دولة القانون الشرعية التي تندمج فيها الاقليات في حضارة الاكثرية، كما ان سياسة الاعتراف بالآخر واحترام حقوق الانسان كفيلة بتأمين التعايش والوفاق المتكافئ بين مختلف الشعوب والثقافات..
 
ان المجتمع التواصلي يلتقي مع الديمقراطية بوصفها التشكيل الحر للارادة الشعبية التي تترجم عبر وسائل الاتصال الحديثة المختلفة التي تقود الى الحوار من دون اكراه وتسلط وعبر التفاهم المستمر بين الذوات ومن دون اللجوء الى العنف، وهو ما يعمل على خلق فضاء عمومي هو مفتاح الديمقراطية الذي يكون  دائرة توسط بين المجتمع المدني والدولة ويجمع الافراد في رأي عام مفتوح يكون وسيلة للضغط على الدولة بفضل العلم والتقنية الرشيدة وعبر وسائل التواصل المختلفة والحوار والاعتراض والتفاهم  التي تعكس حقيقة الديمقراطية التي تعبر عن الاراء والمصالح والايديولوجيات المختلفة.
 
 
 
 
 
 
 
                                                                       
 
 


شبكة الصداقة العراقية 
 
ابراهيم الحيدري
هل الأنثى هي الاصل ؟
عرفت المجتمعات الاوربية تحولات جوهرية ابتداء من عصر النهضة الذي قام على انقاض مرحلة الاقطاع وسيطرة الكنيسة على المجتمع والدولة والسلطة ثم ظهور عصر التنوير والحداثة الذي قام على مباديء الحرية والعقلانية والتقدم. وقد تضافرت جهود عدد كبير من المفكرين والفلاسفة والمصلحين التنويريين لتأسيس مجتمع جديد  يقوم على أسس وقواعد وقوانين عقلانية والبحث عن مصدر اساسي يستمدون منه حقوق الانسان الطبيعية كالحرية والعدالة والمساواة. وقد ذهب هؤلاء المفكرون الى القول بان "الحق الطبيعي" هو القانون الطبيعي الممارس في الطبيعة والذي يقوم على اساس الطبيعة الخيرة للانسان والذي مكن الانسان من ان يكون حرا. كما ان الحق الطبيعي يقر بان العقل السليم هو الذي يحكم على الاشياء بكونها مخالفة للطبيعة العاقلة أم لا . وهكذا تطورت نظريات الحق الطبيعي التي قامت على افتراض وجود حالة طبيعية ينطلقون منها ويعودون اليها. وتعتبر مساهمات هوبز ولوك وروسو وفولتير وغيرهم قد وضعت اللبنات الاساسية لحقوق الانسان الطبيعية التي عرفت فيما بعد "بلائحة حقوق الانسان".
باخوفن وحق الأم الطبيعي
وقد افرزت هذه التحولات اتجاهات فكرية ونظريات اجتماعية جديدة في فلسفة التاريخ والمجتمع والحضارة، كان في مقدمتها نظريات التطور ونظريات العقد الاجتماعي. فالى جانب نظرية التطور لدارون وامهات الكتب الانثروبولوجية  صدر كتاب ياكوب باخوفن (1815- 1887)، وهو حقوقي ومؤرخ في علم الاديان المقارن، الموسوم "حق الأم"، الذي صدر في بازل/سويسرا لأول مرة عام  1861. وهواول كتاب يبحث في تاريخ ومكانة المرأة في المجتمعات القديمة ، والذي اثار ضجة عالمية آنذاك، لان مأثرة باخوفن هي انه اكتشف مرحلة حضارية قديمة ومهمة سادت فيها سلطة المرأة في المجتمع ، وانه سجل لاول مرة، بدء تاريخ العائلة بعام 1861 وهو عام ظهور كتابه حق الام الطبيعي الذي اعتبره انجلز في " أصل العائلة " " ثورة كاملة ".
اعتمد باخوفن في كتابه هذا على عدد من الكتب التاريخية والبحوث الاثنوغرافية الوافية التي كتبت عن العالم القديم والتي تضمنت وصفا اثنوغرافيا للشعوب والمجتمعات والقبائل المتعددة ، وتحليلا لعدد كبير من القصص والاساطير والاثارالقديمة ورموز القبور الاغريقية والرومانية والمصرية القديمة وخاصة اسطورة ازيس وأزوريس التي استقاها من مؤرخي اليونان الكلاسيكيين الذين كتبوا عن أهمية المرأة ومكانتها الاجتماعية والدينية في العالم القديم وذلك بهدف تصوير المراحل التاريخية التي مرت بها المجتمعات البشرية وتغير المباديء الاساسية التي طبعت تلك المراحل بطابعها وعلاقتها بالصراع بين الجنسين.
وكان باخوفن قد اعتمد على ثلاثة مؤرخين اغريق كبار هم هيرودوت، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد وهيروكلايدس بونتيكوس، الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد ونيكولوس فون دمسكوس(الدمشقي)، الذي عاش في القرن الاول قبل الميلاد. وكان هؤلاء المؤرخون قد كتبوا عن احوال المجتمعات القديمة وعاداتهم وتقاليهم ومعتقداتهم الدينية، وخاصة مجتمع الليكير الذي ينتسبون الى جزيرة كريتا ومنها هاجروا الى آسيا الصغرى. وكان هدفه توضيح العلاقة بين اساطير الامومة والدين القديم وسلطة المرأة في المجتمع والصراع الازلي بين الرجل والمرأة.
لقد اكد باخوفن، انه بالرغم من ان المرأة من الناحية الفسيولوجية هي اضعف من الرجل الا انها كانت قد احتلت مكانة اجتماعية عالية في العائلة والمجتمع والسلطة ، في مرحلة تاريخية قديمة، وبذلك انتصرت على قوة الرجل الفسيولوجية. وكان الاطفال في تلك المرحلة ينتسبون الى امهاتهم وليس الى ابائهم ، لانه لم يكن بالمستطاع حينذاك تحديد الاب لعدم وجود نظام قرابي يحدد العلاقات الجنسية ، ولهذا ايضا تمتعت النساء ، بوصفهن الوالدات الوحيدات المعروفات بكل ثقة وتأكيد للاطفال ، بقدر كبير من الاحترام واكتسبت المرأة بذلك مكانة اجتماعية ودينية عالية.
 ظهرت سيطرة المرأة على المجتمع في بدايات الاستقرار واكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات واستمدت سيطرتها من الطبيعة ، لان مبدأ الخصوبة في الارض هو نفسه مبدأ الخصوبة عند المرأة . وهكذا تطورت سلطة المرأة في المجتمع التي هي في الحقيقة حق طبيعي لها.
وفي الحقيقة، فقد تمكن باخوفن من ولوج بحر عميق في عالم الاساطير والرموزالدينية لمرحلة تاريخية قديمة وغامضة مرت بها البشرية في اقدم عصورها التاريخية  هي مرحلة حق الأم وسلطة المرأة في العائلة والمجتمع والدولة التي استمدته من الحق الطبيعي وليطرح السؤال الجوهري الذي يشكل المحور الاساسي لفلسفة التاريخ عند باخوفن، الذي استقاه من فلسفة افلاطون وتعاليمه وهو العلاقة بين المادة والفكر والصراع بينهما.
ومثل تطوري القرن التاسع عشر يشير باخوفن الى فكرة التطور والانتقال من المادة الى الفكر، لان محور التطور والصراع الذي مرت به البشرية انما يقوم على الصراع الدائم والمستمر بين مبدأين اساسيين هما : المادة والفكر، وان هذين المبدأين انما يمثلان الصراع الدائم والمستمر بين الرجل والمرأة وان أي تقدم لاحد هذين المبدأين على الاخر، يستتبعه بالضرورة تغير في النظم الاجتماعية . ولما كانت جميع اشكال الحياة الانسانية والكون والحياة مطبوعة بطابع ديني، الذي هو المحفز الاول لتبدل الحياة الاجتماعية، فقد حدث صراع وتطور  بين المادة والفكر بين النور والظلمة وبين السماء والارض وبين الذكر والانثى وانتصار الذكر على الانثى في الاخير.
ايهما الأصل الأنثى أم الذكر؟
يشير باخوفن الى ان البداية كانت المادة المطلقة، الطبيعة، الارض، رمز لفكرة الأمومة، وهي مرحلة سلطة المرأة الطبيعية، التي تمثلت بمرحلة "الاباحية الجنسية". والمادة المطلقة تتضمن بنفسها قوة الفكر التي تمثل العلاقة بين الارض والماء. ولما كان الماء جزء من الارض الذي يخصبها ، فتخلق الاحياء، لذلك قدس الانسان الارض ، ومثلما قدس الانسان الارض قدس الانثى / الام ، فالانثى هي الاصل ، ومثلما تشتهي الارض الولادة تشتهي الانثى الخلق، ولذلك اصبحت رمز الخصوبة والعطاء .
وللانثى انتج الدين ، واجب العطاء عند الولادة. وهكذا قدس الانسان الارض ، فالانثى هي صورة وخليفة للام الاصل . فلم تقلد الارض الانثى ، بل قلدت الانثى الارض واصبحت مقدسة مثل الارض واصبح الاحترام الديني والتقديس لها الاساس في سلطتها وارتفاع مكانتها الدينية والاجتماعية وسياستها للدولة وادارتها للطقوس الدينية .
والانثى هي الاصل ، لانها تتقدم على الرجل بعطائها ولان الرجل هو نتيجة ذلك العطاء. فالابن هو زوج المستقبل الذي يخصب بدوره المرأة ويصبح ابا . كما ان التنظيم القرابي يجد مكانه في احضان المرأة وعنه تطورت جميع التنظيمات الاجتماعية الاخرى. وبهذا يصبح حق الام هو حق الحياة للمادة الارض وحق طبيعي لها .
وبحسب باخوفن، فقد استطاعت المرأة باسلحتها النافذة  :  حنان الام والقوة الدينية العالية والاحترام لها ان تتبوء هذه المكانة الروحية العالية، في مرحلة سادت فيها علاقات جنسية منظمة تم فيها الانتساب الى خط الام ، أي انتساب الاولاد الى امهاتهم وذلك لعدم امكانية معرفة الاب الحقيقي للاولاد.
الليكير والامزونيات
تتبع باخوفن، في دراساته لمكانة المراة واهميتها ودورها في المجتمعات القديمة، المجتمعات التي ساد فيها حق الأم الطبيعي، معتمدا على ما كتبه المؤرخون الكلاسيكيون وعلماء الاثار والاثنوغرافيون حول مجتمع الليكير وحكومة النساء الأمزونيات في اسيا الوسطى، التي وجد فيها باخوفن أدلة غنية ذات محتويات مؤكدة على احترام المراة وسلطتها في المجتمعات القديمة.
واللكير او اللكين هم قبائل تتحدر في اصولها من جزيرة كريتا. وقد اشتق اسمها من لوكوس ابن بانديون الذي نزح من اثينا في العصور القديمة.  وقد ذكر هيرودوت ان لهم عادات وتقاليد متميزة لا نجد لها مثيلا  لدى الاقوام الاخرى. والمراة لها أهمية ومكانة عالية عندهم وان الاولاد ينتسبون الى امهاتهم وليس الى ابائهم. كما اكد المؤرخ الاغريقي بونتيكوس بان أهم ما يميزهم عن القبائل الاخرى انهم عاشوا في " لصوصية"، فليس عندهم قوانين وقد حكموا من قبل النساء منذ قديم الزمان. كما انهم ينتسبون الى امهاتهم وليس الى ابائهم وترث البنات عندهم بدل الابناء. كما اكد هيراقليدس ايضا ، بان المراة تسيطر عندهم على الرجل وتتحكم فيه.
اما الامزونيات او الامزونن فهم اول من اسس حكومة نساء في العالم. وهم قبائل نسوية انتشرت في الساحل الشمالي من الاناضول حتى القوقاس وتحدرت اصلا من ليبو او ليبيا في شمال افيقيا. وكانوا قد سيطروا تحت قيادة ملكتهم "مرينة"  على اقاليم واسعة امتدت حتى الحدود الغربية للعالم القديم. وتدل الاثار العديدة التي اكتشفت في منطقة "أغيز" في الساحل الشمالي من الاناضول على أهمية المرأة ومكانتها الاجتماعية العالية. وقد اكتشف علماء الاثار معبد " ارتميس" في ايفوسوس وفيه تماثيل نساء محاربات وصيادات ماهرات كن قد تركن وظيفتهن كاناث واصبحن صيادات ومزارعات ومحاربات وقد شددن على احواضهن احزمة. وكن يقمن بحملات عسكرية لمد نفودهن على مناطق اخرى. وتربى الفتيات منذ الصغر على استعمال السلاح ويقطع منهن الثدي الايمن بهدف ان يصبحن اكثر لياقة لحمل السلاح وممارسة فنون الحرب والقتال. ويشير المؤرخ الاغريقى ريناس بان الامزونيات ينتسبون الى امهاتهن وليس الى ابيهم ويرتبطن بالرجال من اجل الانجاب فقط ولا يؤثر ذلك على سلطتهن في الحياة الاجتماعية، في حين يجلس الرجال في البيوت ويقومون بما تقوم به النساء من تربية الاطفال والغزل والحياكة وغيرها.
لقد عمم باخوفن هذه الظاهرة على جميع المجتمعات القديمة منطلقا من مقولة "ان وجود نظام ما في مكان ما فلابد من وجود مثيل له في مكان آخر". كما دعم رأيه في ذلك الاكتشافات الأثرية لعدد كبير من تماثيل الأمومة والخصوبة والرقم ورموز القبور التي تدل على احتلال المرأة في المجتمعات الزراعية القديمة مكانة اجتماعية ودينبة عالية . وان هذه الافكار والنظريات والافتراضات تذكرنا باحترام وتقديس المرأة – الام في المراحل الاولى من تاريخ المجتمعات الانسانية ، ذلك الاحترام الذي ارتبط بأهم اسس وجود وبقاء النوع الانساني ، الا وهو مبدأ الخصوية والغذاء الذي انتجتهما المرأة – الأم – الارض ، وما ارتبط بهما من اكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات وبناء اولى المستوطنات الانسانية ، التي كان للمرأة فيها دور رئيسي، اذا لم يكن الدور الوحيد.
النظام الأبوي/البطريركي
غير ان سلطة المرأة ، بحسب باخوفن، لم تدم طويلا بعد ان خرج حقها الطبيعي على حق الدولة وحق المدينة الذي اوجد اول تنظيم اجتماعي جديد للحياة الجنسية والذي اخذ شكل منظومة الزواج ، الذي تطور فيما بعد الى شكل الزواج الاحادي ، الذي ارتبط بنظام ديني كان قد حدد العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء.
كما لحقتها مرحلة ثالثة هي مرحلة سلطة الاب والانتساب في خط الاب بدل الأم التي بدأت بعد ثورة الانسان الاولى على الطبيعة واكتشاف الزراعة من قبل المرأة وتحول العلاقات الجنسية التي تنظم الزراعة والزواج وانتقال النظام الديني من عبادة القمر الى عبادة الشمس.
وكانت بدايات تنظيم العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة هي بدايات قيام الدولة الرومانية التي اجبرت المرأة على ان تفقد حقها الطبيعي بالتدريج عن طريق اكتشاف المعادن وتطور نظام الملكية وانتشار الزراعة ونشوء المدن وبدأت على انقاض ذلك النظام بدايات مرحلة حضارية جديدة في تاريخ تطور المجتمعات البشرية هي مرحلة " سلطة الاب "، وبذلك فقدت المرأة عصرها الذهبي التي ارتفعت فيها مكانتها الاجتماعية والدينية من خلال سحر الامومة ووظيفتها البايولوجية.
ان مرحلة حق الاب " ما هي الا مرحلة الحق الميتافيزيقي التي تمثلت في انحسار حق الام، وهو الحق الطبيعي للانسان ، الذي ظهر مع سيادة النظام الابوي/ البطريركي في اعلى اشكاله في الدولة الرومانية والذي مازال قائما حتى اليوم في اغلب المجتمعات الانسانية .
 
_________________________
المصادر :
1)   ابراهيم الحيدري، النظام الأبوي واشكالية الجنس عند العرب، دار الساقي، بيروت 2003
2)   ابراهيم الحيدري، فلسفة التاريخ عند باخوفن، مجلة كلية الاداب، بغداد  1979
3)   J. Bachofen,Das Mutterrecht, Frankfurt ,m, 1980
4)   G.Thomsen,Fruegeschichte  Grichenland und der Aegaes, Berlin ,1969
5)   R.Graves,New Larousse,Encyclopaedia of Mythology, London - New York - Toronto 1959
 


تحية طيبة ومرحبا بكم

 
موقع شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
 
خصص هذا الموقع لتقديم المقالات الثقافية والاجتماعية لاساتذتنا الاعزاء
مع الحب والتقدير
 
أما موقع شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
لثقافة وأدب الأطفال فهو كالتالي: