Wednesday, 25 April 2012

هل الانتقاد والنقد الذاتي وإعادة الانتخابات يغير من الحقائق في الخارطة السياسية العراقية؟

 
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
هل الانتقاد والنقد الذاتي وإعادة الانتخابات  يغير من الحقائق في الخارطة السياسية العراقية !!!!
" إذا كانت لك ثقة بنفسك فأنك ستلهم الآخرين الثقة "
                                                غوته
 
د.عامر صالح
 
مع كل انحسار أو خسارة سياسية أو ضربة سياسية قاسية أو هجوم يتعرض له اليسار العراقي تزداد نوبات التصعيد عليه, سواء من أنصاره ومحبيه والجالسين فيه أو حتى من البعيدين عنه الذين لا يفقهون في حيثياته, ليحملوا المسؤولية بدورهم كل ما يحصل على هذه القوى والعودة إلى التأريخ بآلية " النبش " وليست التقويم لسوق المبررات وتحميل اليسار أكثر من طاقته وكأنه العصا السحرية لكل الحلول خارج إطار الزمان والمكان أو الفانوس السحري لعلاء الدين !!!.
 
وتشتد نوبات التصعيد ألانتقادي أو الهوس ألانتقادي, وهو ليست نقدا ذاتيا,بل جلدا بالعصا الغليظة للذات, وهو شعور سلبي يتنامى بشكل خاص في ظروف المنعطفات السياسية الصعبة التي يصعب فيها تحقيق الأهداف, وهي حالة من النكوص عن تحقيق " الذات السياسية ", وهو شعور دفين يريد التغلب على الفشل والهزيمة ولكن ليس عن طريق المواجهة وإنما الهروب والتقوقع على الذات وجلدها, وهو حرب ضد ذات الكيان السياسي وإسقاط كل اللوم عليه وتبرير للشعور بعدم المقدرة والهزيمة, إنها حالات من الاكتئاب السياسي تضعف من ثقة الشخص بانتمائه وبمجموعته التي ينتمي إليها,وتزعزع من ثقته بمشروعه السياسي, وقد تؤدي به إلى " الانتحار السياسي " عبر فقدان هويته النفس ـ عقائدية, وبهذا يخسر الشخص مرجعيته الفكرية والإيديولوجية اللازمة كمقياس للفرز وتصنيف وتقيم الحقائق !!!!.
 
أما النقد الذاتي البناء فهدفه معرفة مواطن القوة والضعف وتقويم الذات ومواجهة السلبيات, وإعادة بنائها على أسس عقلانية جديدة, كما انه الوسيلة الفعالة وصمام الأمان لتخليص المعرفة والفكر والسياسات من الشوائب, وهو أساس الإبداع والتغير, وعلى الناقد أن يكون عارفا ومحايدا وموضوعيا ومتمكنا في الوقت نفسه من امتلاك أساليب ومناهج النقد,لكي يتجنب أية إساءة للعمل المنقود والتعرض إليه وإسقاط التهم جزافا عليه,وبهذا يصبح النقد من اخطر الممارسات وأكثرها تعقيدا وأكثر الممارسات أخلاقية التي تقترن بصدق النوايا, وان الفكر الجدلي يؤكد أن النقد هو المحاولة الجادة لفهم الظواهر وتغيرها, ومن هذه المسؤولية وقبل ممارسة النقد وتميزه عن جلد الذات المعطل للقدرات والانطلاق يجب تنمية الوعي بأهميته وفاعليته وتأثيره في إعادة الثقة بالنفس والاعتبار وإيقاظ الإمكانيات والطاقات الإبداعية الكامنة للكشف عن مكامن القوة والضعف,وتحفيز الإنسان لرفض وتحدي كل ما يعيق حرية الفكر والسياسة وانطلاقهما,حيث لا وجود للمطلقات فالمعرفة نسبية كما يؤكدها المنهج الجدلي !!!!.
أن وظيفة النقد الذاتي باعتباره الوسيلة الهامة والمطلوبة رقم واحد لإعادة النظر دوما في البرامج والسياسات والاستراتيجيات, بل وكذلك في إعادة النظر في الأسماء والشعارات ومدى مطابقتها للمحتوى في السياق ألزماني وحتى المكاني,والاستعداد لتقبل أي جديد ايجابي زكته معارك الحياة من اجل التقدم ورقي الحياة الإنسانية, أن ممارسة النقد الذاتي من أوسع أبوابه من قبل اليسار الشيوعي في العراق هو دليل على معافاته المستمرة, ولكن هذا لا يعني أن ممارسته تؤسس إلى نصر قادم مؤكد في انتخابات برلمانية جديدة,ففي ذلك مجافاة لما يجري من ظروف قاهرة " للديمقراطية السياسية " في العراق تقع خارج إطار قدرات النقد الذاتي على إصلاحها, وهي عوامل موضوعية خارجية تسبح فيها الكيانات السياسية مستفيدة منها تارة وملحقة الضرر في المنافس السياسي الآخر تارة أخرى....أنها ظروف انعدام تكافؤ الفرص السياسية لممارسة العمل الديمقراطي !!!!.
 
أن نتائج الانتخابات البرلمانية 2010 وما أفرزته من نتائج والتي تقف على رأسها إعادة أنتائج القوى السياسية البرلمانية السابقة بأوزان مختلفة بعض الشيء, إلى جانب صعود القائمة العراقية المتنوعة المشارب والتي أثبتت تجربة السنتين الماضيتين إنها قائمة من فتات موائد بمذاقات مختلفة, فيها الحلو والحامض والحنظل والمكروه, كما فشل الرهان على ديمومة وحدتها حيث نشأتها المتشظية أصلا.لم تجسد نتائج الانتخابات الإجابة على التساؤلات الانتخابية المشروعة :لماذا انتخب هذا,وما هي المبررات العقلانية لانتخاب هذا الكيان دون غيره, وهل أجرى الناخب مراجعة نقدية لخياره السابق لكي يأتي بغيره !!!!, كما أفرزت النتائج الانتخابية خسارة قوى اليسار المتمثلة بقائمة اتحاد الشعب والمعروفة بعهدتها التاريخية وسعة برنامجها الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي, والتي من المفروض أن تأخذ نصيبها اللائق بها في البرلمان,أن كل ذلك يترك لنا انطباعا أوليا بأن الناخب العراقي غير راغب بتغير حاله ويريد بقاء الأوضاع كما هي,ولذلك أتى بمرشحيه من هذا الطراز !!!.
 
لا يوجد شعب على الأرض يتجه نحو الخيارات المرة وبالضد من سعادته, وقد حصل في التاريخ حالات محدودة أن الانتخابات تأتي بدكتاتوريات أمثال هتلر وموسوليني, ولكن الندم على هذا الخيار يلف أذيال من انتخبوه إلى اليوم أحياء أم موتى,وان الناخب بفعل الفطرة الإنسانية لا يختار إلا من يرى فيهم الأمل والحياة الإنسانية الحق,وخاصة عندما تسنح الفرصة لتأسيس قاعدة سليمة للعمل مواتية لانطلاق قدرات الإنسان الفعلية وتنشيط خياراته الحرة صوب ممثليه بعيدا عن عمليات الاحتكار السياسي والإقصاء والانفراد بعقل المواطن وزج الدين في السياسة واستخدام الأخير ضمن دائرة التقوقع الجغرافي لإعادة توليد ذهنية العدو الديني الأخر في الكيان الجغرافي المقابل, وخلق المناسبات لإشعال نار الفتنة,كلها عوامل ساهمت بتحويل الانتخابات من آلية لفرز وانتخاب الأفضل إلى آلية خفية لإدارة صراع ديني ـ ديني وطائفي ـ طائفي,وهكذا تم حرف وجهة الناخب من عملية الاستبصار في الكيان السياسي وماهيته إلى عملية الاستعماء السياسي.
 
وهكذا سهلت عملية سوقه جماعيا حسب مواصفاته الدينية والطائفية والاثنية إلى صناديق الاقتراع,وبهذا حرمت الصوت الانتخابي من الثراء والتنوع وفوتت عليه فرصة التصويت على البرامج الانتخابية كما هو الحال في العالم الديمقراطي المتمدن,ورغم أن هذه المسحة الانتخابية كانت اقل وطأة من سابقتها الانتخابية, إلا أنها أوقعت الناخب في فخ انتخاب " النكاية السياسية " المبني على ردود الأفعال وليست خيارا عقلانيا,تجسده حالات السأم وفقدان الأمل في الكيانات السياسية السابقة لفترة ما بعد 2003, في ظروف عدم النضج السياسي في أدراك قيمة الصوت الانتخابي ودلالته في تقرير المستقبل,وغياب الوعي بأهمية أن المواطن اليوم هو الذي يقرر شكل النظام السياسي وفعاليته,وهو المسئول الأول والأخير عليه عبر ممثليه, إلى جانب تراكمات الوعي السابق للحقبة الشمولية ومخاطرها في مسخ أهمية المشاركة السياسية الفعالة وتحويلها إلى عملية سوق قطيعي صوب تقرير المصير في القضايا المهمة, وتحويل عملية التصويت إلى مجرد عملية بهيمية تفتقد الوعي والإحساس والمسئولية,ومجرد إيداع للاستمارة الانتخابية في الصندوق دون حسبان للعواقب, وقد شكلت هذه الذخيرة السيئة ارض خصبة للكيانات السياسية الكبيرة لسوق الناس إلى الانتخابات بنفس أساليب التحشيد والسوق الجماعي !!!!.
 
وقد كرس هذا المنحى السلوكي الكثير من الإجراءات الغير عادلة,منها على سبيل المثال,حصر الناخب في بقعته الجغرافية ـ المحافظة عبر القائمة المغلقة حيث تشتيت الأصوات الانتخابية وشرذمتها وتجريدها من أهميتها,وكذلك سهولة حصر الناخب في بقعته الانتخابية وممارسة شتى عمليات غسل الدماغ والإيحاء لترويضه وسلب صوته الانتخابي,ومنح أصوات القوائم الخاسرة إلى القوائم الفائزة,وانعدام قانون الأحزاب ليضعها تحت المسائلة, وانعدام تكافؤ الفرص في التعبئة والدعاية الانتخابية والتمويل للكيانات السياسية,عدا ذلك ضعف مصداقية ونزاهة الجهات المسئولة عن أدارة الانتخابات وفرز الأصوات والتي أطال إليها الشك ليست فقط من الكيانات السياسية الصغيرة الخاسرة بل من الكيانات الحيتانية الكبيرة الفائزة !!!!.
 
اليوم بعد هذه التجربة الانتخابية وقبلها تؤكد الخبرة في هذا الميدان انه لا ديمقراطية حقيقية بدون علمانية,لأنه في ظل العلمانية يمكن للمرء أن ينعتق من عقليته الطائفية كي يفكر وينتخب على أساس عقله, وان الإسلام بتنوعه الكبير وثراءه الفلسفي يحتاج اليوم وخاصة في ظروف العراق كما في العالم الآخر إلى مزيدا من التحييد وتخليصه من الأسر السياسي ومن المتأدلجين والمرابين في الدين,وخاصة في ظل تنوع طوائفه ومذاهبه المتحابة بعض منها والكارهة لبعضها البعض في أحيان أخرى لحد التكفير والإبادة الجماعية وتبرير القتل المتبادل,أنها فرصة أن يقف الدين على قدميه برسالته السمحاء,وتقف السياسة هي الأخرى على قدمين سليمين,وتسمح للجماهير بممارسة الديمقراطية الحق والإتيان بنظم تعبر عن حاجتها للتطور والتقدم والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي,بعيدا عن الصراعات الدينية والطائفية والاثنية التي لا صلة لها بالاستقرار الاجتماعي,وتحويل الفرد من مستسلم عاجز سياسيا إلى كيان نشط وفعال ويقرر فعلا ما يشاء بمحض أرادته,واليوم بعد نتائج الانتخابات عندما نسمع بصدى التفجيرات والعمليات الانتحارية في مناطق سنية وشيعية وهي تؤدي بحياة العشرات والمئات من المواطنين الأبرياء تضع المواطن أمام تساؤل: من هو الفاعل؟ فتختلط الإجابات بين منفذ من فلول البعث,ومن أنصار للمالكي لكي يرون الناس أن الأمن بدونهم محال,أو من الصدريين بعبثهم للضغط على مسار الإحداث بأي اتجاه يرغبون,أو من القاعدة كالمعتاد أو من علاوي لكي يكون دخوله قويا بحلة الحافظ على الأمن والأمان,وجميعها تعبر عن العبث بخلط أوراق الدين بالسياسة !!!.
 
بعد هذا كله وفي ظل تصاعد الصيحات في إعادة الانتخابات نتساءل لو أقدم اليسار على ممارسة النقد الذاتي من أوسع أبوابه متناولا كل مفاصل سياساته الداخلية والخارجية ابتداء من الشعارات والمسميات وراياته الحمراء وانتهاء بتحالفاته السياسية ومدى صوابها, وفرضا لو أعيدت الانتخابات وحصل اليسار الشيوعي جراء ذلك على الآلاف المؤلفة من الأصوات الانتخابية القادمة, فهل قادر اليسار على رفع حصار قانون الانتخابات الجائر المتمثل بالقائمة المغلقة, ومنح أصوات القوائم الخاسرة إلى القوائم الفائزة, وهل يقدر اليسار على تجيش الناخبين والعبث بانفعالاتهم البدائية وسوقهم  جماعيا للانتخابات بالطريقة التي أجريت فيها لكي يحصد الملايين من الأصوات, وهل يضمن مشاركة كاملة لأنصاره في الداخل والخارج, وهل يضمن نزاهة عادلة في فرز الأصوات وهل يضمن تكافؤ الفرص الانتخابية لكي يعبر عن مقدرته الحقيقية...أنها أسئلة عصية على التنبؤ بحلولها,وعلى قدر الإجابة عليها يمكن التنبؤ بفوز قريب لليسار !!!!!!.
 
 
 


Wednesday, 11 April 2012

العـــدوان عند الإنسان والحيوان في علم السيكولوجي المقـــــارن

 
 
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
 العدوان عند الإنسان والحيوان في علم السيكولوجي المقارن !!!
 
د.عامر صالح
 
تثير روابط الإنسان الأولى والمشتركة مع الحيوان, باعتبار أن الإنسان يمثل امتدادا طبيعيا لمن سبقه, أو مع من أدنى منه في سلم التطور البيولوجي الكثير من الجدل والبحث والنقاش المتخصص والدراسة المتعمقة لدى الكثير من العلوم ذات الصلة بهذا الشأن, كالعلوم النفسية ـ السلوكية والبيولوجية الارتقائية, والاجتماعية, وعلم الوراثة, إلى جانب طبعا الفلسفة والأديان ذات الباع الطويل في البحث عن أصول الإنسان. وفي الوقت الذي تقف فيه الأديان وبعض من الفلسفات وقفة الضد من كون الإنسان هو استمرار طبيعي لسنة التطور البيولوجي لما سبقه من الكائنات الحية, وأن الإنسان من وجهة نظرها مخلوق بذاته ومقطوع الصلة عن أي عملية إنمائية ـ ارتقائية تراكمية معقدة, ترى العلوم البيولوجية والنفسية والوراثية أن الإنسان هو مخلوق يقف على قمة سلم التطور البيولوجي, بعد أن مر بعملية تحول بيولوجية ـ تشريحية وفسيولوجية طويلة الأمد في صراعه من اجل البقاء واستنادا إلى الظروف البيئية المعقدة التي أملت عليه هذا التطور, حيث كان يتفاعل مع البيئة تفاعلا ديناميكيا حيا مؤثرا ومتأثرا بها, يحسن من ظروفها وتحسن من أدائه عبر ترك بصماتها المستمرة في بناءه الفسيوتشريحي الجسمي وصولا إلى أرقى المكتسبات البنيوية والوظيفية والتي جسدتها نشوء الجهاز العصبي المركزي المتطور والمتخصص !!!.
 
لقد شكلت نقطة التحول الفسيولوجية التشريحية الحاسمة بالنسبة للإنسان وانفصاله النسبي عن مملكة الحيوان هي بامتلاكه الجهاز العصبي المتطور, وبشكل خاص امتلاكه للدماغ ونصفي الكرة المخيين المتخصصين تخصصا عاليا ديناميكيا, وخاصة القشرة الدماغية المتطورة وذات التخصص الدقيق ذو الصلة المباشرة بالعمليات النفسية أو العمليات العقلية العليا أو النشاط العصبي الأعلى " حسب تعبير علم الفسيولوجي " الذي تجسده عمليات التفكير والانتباه والتخيل والتصور والتعلم والإدراك والتذكر والبرمجة والتخطيط, والاهم من ذلك كله هو نشوء الأساس الفسيولوجي التشريحي للغة ونشأة اللغة نفسها التي أضفت على العمليات العقلية بعدا معقدا, حيث لا يمكن تصور العمليات العقلية خارج إطار اللغة,لأنها تلعب دور الممول لمحتوى العمليات العقلية وخاصة عبر عمليتي التجريد والتعميم اللازمتين للعمل الفكري. وفي هذا الانجاز التاريخي أعلن الإنسان انفكاكه عن الغابة وتحوله إلى كائن رمزي منتجا للحضارة المادية والمعنوية وللثقافة بمفهومها الواسع !!!!.
 
هذه النقلة النوعية التي حققها الإنسان في سلم التطور البيولوجي لم تلغي إبقائه مشتركا مع أسلافه في الكثير من العمليات الفسيولوجية التي تضمن له البقاء والاستمرار, أو ما نسميها بعلم النفس بالدوافع الفسيولوجية الأولية وهي فطرية في أساسها ومشتركة بين مختلف أنواع الكائنات العضوية, ومنها دوافع الجوع والعطش والجنس وتجنب الألم وكالحاجة إلى الهواء, والاحتفاظ بحرارة الجسم, والحاجة إلى الراحة والتخلص من التعب وغيرها, إلى جانب طبعا دافعية العدوان" المنازلة والمنافسة " التي نحن بصددها, إلا أن رمزية الإنسان " ثقافته بمعنى اشمل " أضفت على جميع هذه الدوافع بعدا اجتماعيا تطبيعيا يستجيب لمكانة الإنسان الجديدة, وعلى أساس ذلك نشأت ثقافة الأكل والشرب وثقافة الجنس وكذلك " ثقافة " أو " حضارة " العدوان والعنف, وتتنوع هذه الثقافات ومظاهرها متأثرة بعوامل غنى البيئة وثرائها ومدى تطورها الفكري والاقتصادي والاجتماعي والتقني والمعلوماتي !!!!!
 
وفي العودة إلى الطبيعة البيولوجية للعدوان والعنف الإنساني فأن العالم كونراد لورنز ( 1903 ـ 1989 ) وهو متخصص في السلوك الحيواني, حيث يؤكد بأن العدوان الإنساني ينبع بالأساس من غريزة النزال والتي يشاطر غيره من الحيوانات. ويشير إلى أن غريزة العدوان في الإنسان والحيوان تخدم غرضين أساسيين: الأول هو تحفز الصنف الحيواني على الانتشار والهجرة وذلك بهدف الحصول على اكبر قدر ممكن من مصادر المحيط, وهذا يتضح من مسالك العنف التي تبديها الحيوانات نحو بعض أفرادها ودفعها للهجرة من مناطقها التي تعيش فيها إلى مناطق أخرى, أما الوظيفة الثانية التي تخدمها غريزة العدوان فهي ضمان بقاء الأقوى والأصلح مما يضمن إقصاء الأضعف من البقاء ودوام الأقوى بالتكاثر. والجديد والمثير في نظريته هو أن طاقة العدوان قابلة للتجمع مع مرور الزمن إذا لم تصرف في حينها, وبأن العنف والعدوان ينشأ بصورة تلقائية ومتواصلة وبسرعة ثابتة, وبأن إطلاق العدوان ينجم عن تفاعل عاملين أولهما مقدار الطاقة العدوانية المتجمعة, وثانيهما توفر العامل المطلق في المحيط وقوة هذا العامل. ورغم الانتقادات الموجه لهذه النظرية من حيث كون أساسياتها استخلصت من عالم الحيوان إلا أن بإمكان المرء أن يلتمس الكثير من مظاهرها في سياقات السلوك الإنساني والأحداث التاريخية. تفسر هذه النظرية بوضوح بعض من مظاهر التوسع والحروب الأهلية و الإقليمية والعالمية والاحتلال والاستحواذ على منابع الثروات ومصادر الطاقة, وسلوكيات الإكراه والتهجير والإبعاد والقمع والإبادة لمجموعات بشرية بأكملها, وعادة ما يكون الضحايا هم الأضعف, حتى وأن جرت بواجهات مختلفة أو تنوعت مصادر مسبباتها الخارجية, إلا إنها تعكس بهذا القدر أو ذاك جزء من غرائز العدوان الكامن في الطبيعة البيولوجية للإنسان !!!!.
 
لقد تمكن المجتمع الإنساني وحضارته القائمة على التراكم المتواصل في انجازاتها المادية والمعنوية, وبشكل اعم الثقافة بكل ما تحمله الكلمة من معنى شامل للانجازات في مختلف المجالات أن تتطبع السلوك البشري وتضفي عليه بعدا إنسانيا خالصا, انعكس على أداء الإنسان كما وكيفا, من خلال التهذيب المستمر للأداء ودقته بما يستجيب دوما للحاجات المتطورة للإنسان, وكان التقدم الفكري و العلمي والصناعي والتكنولوجي والمعلوماتي ابرز معالم مسيرة الإنسان الطويلة على طريق خلاصه من الخضوع إلى البيئة الطبيعية, بل وانتقاله إلى مستويات عالية للتحكم فيها, طبعا إلى جانب تهذيب الإنسان على مستوى سلوكه ألغرائزي وعاداته وأنماطه السلوكية. وعلى مستوى التحكم بدافعية العدوان أو المنازلة أو المنافسة العنفية فأن البشرية وصلت إلى مستويات من التنظيم الاجتماعي في محاولات لإيجاد الشروط أو البيئة المناسبة للحد منه أو من أثاره, ولكن ذلك لم يعني أبدا وفي أي شكل من الأشكال القضاء عليه, بل أن تقدم الحياة الإنسانية المادية والتقنية والفكرية وضع العنف بصيغة أكثر تعقيدا واشد عنفا مما هو عليه عند الحيوان, وجعل من العنف مظهرا يدب في كل تفاصيل حياتنا اليومية, إلى جانب تنوع أشكاله ومظاهره " وقد تناولت هذا بالتفصيل في مقالي الموسوم: العنف بين ماهيته السوسيولوجية وجذوره السيكولوجية والتربوية !!!!. " والمنشور على صفحات الانترنيت !!!.
 
وعلى أساس ذلك أنتج المجتمع الإنساني نوع من العنف يمكن أن نطلق عليه العنف " الحضاري " والذي يستند في جوهره إلى طبيعة الأفكار والعقائد والأديان والإيديولوجيات المحفزة له, والى الاستخدام السلبي لثمرات التقدم العلمي والتقني والى نمط محدد من الثقافة بصورة عامة, مما أدى إلى توسيع دائرة العدوان لدى الإنسان من حيث محتواه وأساليبه وتقنياته وخروجا لا حدود له عن الطبيعة أو الحاجة البيولوجية له رغم بقائه مرتبطا بها, وعكس ذلك بقى العدوان لدى الحيوان وأسلاف الإنسان في حدود الحاجة البيولوجية له وضرورات البقاء. ونستطيع هنا أن نميز بين خصائص العدوان والفروق فيه لدى الإنسان والحيوان, ويمكن إيجازها باختصار شديد كما يأتي:
 
ـ أن العنف والعدوان لدى الحيوان هو فعل مباشر ويتم بالقدر الذي يجلبه العدوان من منافع للحيوان, غير أن هذا عند الإنسان يتجاوز هذه الحدود, فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمارس القتل من اجل القتل وهو الوحيد الذي يشن الحروب والعدوان المنظم بكل صوره المروعة للإلحاق الأذى جسديا ونفسيا بالمعتدى عليه.
 
ـ نادرا ما يمارس الحيوان العنف والاعتداء على حيوان آخر من نفس فصيلته, وان حصل ذلك فلأغراض محدودة جدا كحماية الصغار أو لأغراض الحفاظ على التكاثر والولادة, وإذا مارس العدوان ضد أصناف أخرى من الحيوانات فهي لأغراض الدفاع عن النفس أو لسد دافع الجوع, أما الإنسان فمعظم أعماله العدوانية موجه ضد صنفه الإنساني, أما إذا مارسه ضد صنف آخر من الحيوانات فأنه مجرد من أي محتوى عاطفي مما يثير الكراهية والغضب والعنف.
 
ـ غالبا وبشكل أساسي ما يمارس الحيوان العنف والعدوان للدفاع عن نفسه من الهجوم أو الاعتداء أو التهديد بذلك, وللحاجة للطعام ولضمان التكاثر, وهو يستجيب بشكل آني وسريع وغير مؤجل لتلك المتغيرات. أما بالنسبة للإنسان فهو يمارس العنف والعدوان لسد الحاجات كلها, إلا أن إثارتها لدافع العنف والعدوان هي اقل آنية وتلقائية من إثارتها لدافع العدوان لدى الحيوانات, حيث يمارس الإنسان سلوكا معقدا للاستجابة قوامه التأجيل عند الضرورة أو الانتقام المتأخر أو رسم الخطط المختلفة للإيقاع بالآخر, وهذا ما يفتقده الحيوان.
 
ـ أن الإنسان وحده من دون الحيوانات الأخرى في سلم التطور البيولوجي تفنن وطور أساليب العنف والاعتداء كما انه وحده الذي اوجد أشكال لا حصر لها من العنف تكاد تغطي كل مجالات الحياة وذلك بالاستناد إلى الثقافة ومفاهيمها السائدة, ووحده الذي اوجد ونمى المفهوم الاجتماعي للدمار والإثم وما يتطلب ذلك من إلحاق الأذى بالآخر وعلى النفس.
 
ـ أن الحيوان من الناحية العملية والفطرية يمتلك العدة البيولوجية اللازمة والكافية للدخول في المعارك وما يقتضيه الدفاع عن العضوية وحمايتها, أما الإنسان فهو لا يملك هذه العدة أو الاستعداد البيولوجي إلا بقدر معقول لا يتجاوز حدود قدراته العضلية, وقد لجأ إلى مختلف الأساليب التقنية لتعويض ذلك, كاستخدام الأسلحة بمختلف صنوفها وقدراتها على إلحاق الأذى بالآخر, وصولا إلى أسلحة الدمار الشامل القادرة على إبادة مجتمعات بشرية بكاملها وبزمن قياسي سريع, إلى جانب استخدام الإنسان نفسه كوسيلة في عمليات القتل الجماعي, كالعمليات الانتحارية التي يقوم بها الأشخاص لقتل المئات والآلاف في عمليات موضعية وبواجهات مختلفة.
 
ـ تمارس الحيوانات طقوسا مختلفة للتنويه بحالات الاستسلام والخضوع عند الدخول في معارك, وبالتالي تنهي المواجهات عند حدود معينة, أما الإنسان فقد تخلى عن طقوس الاستسلام حتى وان قبل بها شكليا فهو لا يقبلها ضمنا, وبالتالي تبقى أجواء التعدي والعنف والصراع قائمة في أي لحظة.
 
ـ ينفرد الإنسان من بين الكائنات الحية في محاولاته للسيطرة على العنف من خلال إيجاد ما يعرف بالضمير كأداة عقلية عاطفية ولكنه لم يفلح لإنهاء العنف ووضع حد له, بعكس الحيوانات التي لا تمتلك هذه القدرة ولكنها تستطيع إنهاء الكثير من النزاعات على خلفية أهدافها المؤقتة بعكس الإنسان الذي يستطيع إعادة دورة العنف.
 
ـ تؤكد الكثير من التجارب المختبرية على سلوك الإنسان والحيوان بأن الحيوان أكثر طواعية في تقبل ظروف خفض السلوك ألعنفي وخاصة عندما يشترط في ظروف محددة بعكس الإنسان الذي لا يطاوع بسهولة مثل هذه المحاولات التطبيعية.
 
أن كل المعطيات العلمية المختبرية والتاريخية تؤكد أن العدوان والعنف لدى الإنسان أكثر تعقيدا من الحيوان, وخاصة عند امتزاجه لدى الإنسان بعوامل الثقافة والتقدم الاجتماعي الذي أضفى على العنف بعدا نوعيا قياسا بالحيوان الذي اتسم عدوانه بالبساطة ومحدودية الأهداف التي تسبب ذلك. وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت في المجتمعات الإنسانية وعلى صعيد المنظمات الدولية ذات الصلة للحد من العنف والاعتداء على الأفراد والمجتمعات والأوطان إلى أن العدوان والعنف يتجدد باستمرار وعلى مر العصور وعلى الرغم من إدانته العلنية من كل الأطراف المعتدية والمعتدية عليها, إلا أن التاريخ يؤكد كما تؤكده ظروف العصر الحالي بكل حروبه المدمرة, الداخلية ـ الموضعية والإقليمية والعالمية , أن العنف  لصيق بالطبيعة الإنسانية باختلاف الأسباب والدوافع لذلك, على الرغم من أن مجتمعات العدالة الإنسانية والتقدم الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في الحد من مظاهر العدوان والعنف, إلا إن ما يطفح منها بين الحين والآخر من حالات عدوان, فردية كانت أم مجتمعية يؤكد ما ذهبنا إليه, إلا انه بالتأكيد إن التحسن المستمر لظروف العيش سوف يحصر العدوان الى حدوده الدنيا ويضعه في أطار المنافسة غير العنيفة من اجل البقاء, ولكن هذا لا يعني بالضرورة عدم تحوله الى صراع عنيف يستهدف الإنسان وبقائه عندما تتوفر الفرصة لذلك !!!!!!.