Tuesday, 29 November 2011

في سيكولوجيا إشباع الدوافع الإنسانية بين الدين والدنيا

 
 
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
 
في سيكولوجيا إشباع الدوافع الإنسانية بين الدين والدنيا !!!!
 
د.عامر صالح
 
"عندما لا ندري ما هي الحياة, كيف يمكننا أن نعرف ما هو الموت "
كونفوشيوس
ليست لديه الرغبة في الخوض بموضوعات دينية ـ سيكولوجية إلا بقدر ما يتعلق الأمر بمكانة الإنسان الحقيقية " رجل كان أم امرأة " في الحياة وفهمه كطبيعة بيولوجية ـ نفسية, وفهم دوافعه المختلفة ودافعيته للعيش والبقاء انطلاقا من صيرورته الطبيعية بدون رتوش. وأن ما يرسم للإنسان من صورة رومانسية فضفاضة في الجنة مجردة تجريدا مطلقا عن طبيعته السايكو ـ بيولوجية في الدنيا, ما هي إلا تعويضا ماورائيا لما يصبيه من حرمان وكبت للحاجات الإنسانية وإشباعها في الدنيا, وبالتالي فان الآخرة تقدم نفسها بديلا جميلا وبراقا يصعب التعامل معه مع ابسط مقومات المعرفة البيولوجية والإنسانية, وانطلاقا من فلسفة الفكر الديني بان العقل الإنساني يبقى محدودا وضئيل المعرفة قياسا بما هو ديني ومقرر سلفا بإرادة إلهية, وان ما يصعب مناله في الدنيا جراء محدودية ظروف الحياة وتخلفها وقصورها عن إشباع الحاجات الإنسانية, سوف يجده المرء في الآخرة وعلى خلفية الاشتراط الديني في تأجيل أو كيفية إشباع الحاجات في الدنيا للحصول عليها في الآخرة !!!!!.

وتأتي الخلفية الدينية في مفهوم إشباع الحاجات على أساس الدور الثانوي للدنيا وضئال أهميتها قياسا بالحياة الآخرة, فالحياة الدنيا وفقا للمفهوم الديني ومهما طال أمدها, سواء عقود بالنسبة للفرد, أو ملايين من السنين بالنسبة للنوع الإنساني, فهي لا تشكل إلا متاع زائل وليست ذو قيمة قياسا بالآخرة, كما في النص القرآني من سورة الحديد, الآية (20): " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ", وكذلك ما ورد في سورة العنكبوت في الآية ( 64), والتي تؤكد أن الحياة الآخرة أطول وأبقى من الدنيا بالقول: " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ", ويقصد هنا بالحيوان أي الحياة الدائمة الحق والتي لا زوال لها ولا انقضاء. أما الأفضلية المطلقة للآخرة على الدنيا وبكل المقاييس فهي محتواة بكل النصوص القرآنية ذات الصلة, ونأخذ هنا فقط على سبيل المثال لا الحصر ما ورد في سورة الضحى وفي الآيتين (4, 5 ): " وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى ". ولأغراض المتعة المعرفية فأن كلمة الدنيا وردت متساوية مع كلمة الآخرة, بمقدار كمي يساوي (111) كلمة لكل منهما !!!!!.

أما بالنسبة للسنة النبوية فالحديث عن أولوية الآخرة على الدنيا لا حصر لها, ويؤكد النبي محمد(ص) في إشارة إلى قصر الحياة الدنيا بقوله " والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم, فلينظر بما يرجع ". وتشير كل النصوص القرآنية والسنة النبوية حسب جموع المفسرين أن الآخرة هي دار القرار, وهي الحياة السرمدية, ولا تساوي الدنيا ساعة من نهار الآخرة, ولا تزيد عن حجم الماء الذي يحمله الأصبع الذي يغمس في البحر, والآخرة تمتد أبد الدهر, ومن ساعاتها الأولى تتجاوز كل أيام الدنيا. أما الدنيا حسب المفهوم الديني ذات عمر قصير, وهي دار لهو ولعب وزينة وتفاخر, ودار غرور, ودار ترف واستمتاع, ودار إغواء وضلال وطغيان لمن يفتن بها, ودار ابتلاء ودار لاكتساب الحسنات والمعيشة الطيبة لمن امن وعمل صالحا !!!!.

وإذا كانت الحياة الدنيا هكذا في النصوص المقدسة, وإذا كانت هكذا كما يفترض في ذهن المؤمنين والإسلام السياسي فعلام الاقتتال الطائفي, وعلام هذا الصراع من اجل الاستحواذ وإقصاء الآخر, وعلام سر المفخخات والانتحاريين وكاتمات الصوت والسعي لقلب الحياة جحيما على رؤوس أحيائها, وعلام سرقة المال العام والنصب والاحتيال والفساد برموزه الدينية والطائفية, وعلام عرقلة خيار الناس الديمقراطي وتزوير إرادة الشعوب وسرقة ثوراتها وثرواتها, وقائمة التساؤلات تطول إلى ما لا نهاية عن جدوى شل إرادة الناس وتوجيه الصراع في الحياة وجهة تدميرية ودموية, أم هي سلوكيات عدوانية للتعجيل بيوم الآخر وللفوز بالجنة على أنقاض جماجم وضحايا وأرزاق الأبرياء في الدنيا !!!!!.

وفي جانب آخر فأن هذه النصوص الدينية بعقول مفسريها تجعلنا كذلك نقف متسائلين عن جدوى انجازات البشرية والحضارة الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة, بدأ من توديع الفرد للغابة ودخوله المجتمع الإنساني, مرورا بمختلف مراحل التنظيم والرقي الاجتماعي وانتهاء بإنجازات البشرية في التقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي, ناهيك عن انجازات البشرية في الفكر والسياسية والفلسفة والثقافة والتعليم, وهكذا فأن البشرية تسير بخط متصاعد إلى الإمام وفقا لسنة التأريخ, واستنادا إلى التحسن المستمر في ظروف الحياة, والذي يجد انعكاساته الواضحة على الأداء العقلي والمعرفي للبشرية والمتمثلة بانجازاتها في مختلف المجالات العلمية والتقنية والفكرية والسياسية, متجاوزة حدود إشباع حاجاته الفسيولوجية في الأكل والشرب والجنس والتي أصبحت ثانوية قياسا بحاجات الإنسان الحضارية الأخرى, فهل يقبل بجنة بأقل ما يمكن من ظروف الحياة, وهل يقبل بجنة وردت على لسان مفسري النص المقدس مطابقة لظروف الحياة السابقة وفي ظروف الحرمان الفسيولوجي آنذاك, ونحن نعلم أن مكانة الإنسان المتميزة في النصوص الدينية تتجاوز كثيرا ما وعد به في الجنة, فكيف يقبل " المؤمن " بأقل من ذلك, وهل المؤمن هو من أدار ظهره لكل انجازات البشرية ويقبل بشروط الأقل الممكن في الآخرة, أم هي عودة إلى نقطة الصفر أو كما يقال عودة على ذي بدأ !!!!!.

أن نظرة سريعة في السيكولوجية المعاصرة التي تفسر الدوافع الإنسانية وأهميتها ومستوياتها, تؤكد انه في الوقت الذي تشكل فيه الدافعية المحرك الأساسي لسلوك الإنسان والحيوان على حد السواء وتتشكل في مجموع الرغبات والحاجات والميول والاتجاهات التي توجه السلوك نحو الهدف المراد تحقيقه, تتوقف حاجة الحيوان ودوافعه عند حدود الحاجات الفسيولوجية في معظمها, أما حاجات الإنسان ودوافعه فهي متشعبة ومعقدة وتفضي إلى تكوين أفراد بنوعية فكرية وعقلية جيدة, وهذه النوعية الفكرية والعقلية تبنى عند الفرد من خلال عدة مقومات تجعله يتقدم على مختلف المستويات ولا يتراجع وتفضي إلى نشوء حالة فكرية إنسانية لدى المجتمع, هذه الحالة الفكرية تجعل المجتمع يتطور علميا وفلسفيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا, ولكي يتم بلوغ ذلك هناك قاعدة هرمية وتراتيبية للحاجات الإنسانية وضعها العالم " أبراهام ماسلو " في نظريته " نظرية التحفيز الإنساني ", والتي يرى فيها أن الناس عندما يحققون احتياجاتهم الأساسية يسعون إلى تحقيق احتياجات ذات مستويات أعلى, ويرتبها على شكل هرم, والذي يسمى " بهرم ماسلو للحاجات الإنسانية ", ونختزلها بالمعلومات السريعة الآتية:

ـ تشكل الحاجات الفسيولوجية قاعدة هرم ماسلو, وهي الحاجات اللازمة للحفاظ على الفرد وهي: الحاجة إلى التنفس, والحاجة إلى الطعام, والحاجة إلى الماء, والحاجة إلى ضبط التوازن, والحاجة إلى الجنس والحاجة إلى الإخراج وغيرها.

ـ وتأتي بعد إشباع الحاجات الفسيولوجية, الحاجة إلى الأمان وهي تشمل: السلامة الجسدية من العنف والاعتداء, والحاجة إلى الأمن الوظيفي, وأمن الإيرادات والموارد, والأمن المعنوي والنفسي, والأمن الأسري, والأمن الصحي وامن الممتلكات الشخصية ضد الجريمة وغيرها.

ـ وتأتي بعد حاجات الأمن الحاجات الاجتماعية وتشمل: العلاقات العاطفية, والعلاقات الأسرية, وعلاقات الصداقة, والبشر عموما يشعرون بالحاجة إلى الانتماء والقبول, سواء إلى مجموعة اجتماعية كبيرة كالنوادي والجماعات الدينية, والسياسية, والمنظمات المهنية, أو إلى الصلات الاجتماعية الصغيرة كالأسرة والشركاء الحميمين والزملاء المقربين وغيرها.

ـ تقدير الذات, وهي الحاجة التي تأتي بعد الحاجة الاجتماعية, والمتمثلة بأن يحدد الإنسان هدفه من الحياة كأن يصبح عالما أو كادرا سياسيا أو تربويا أو مهنيا, وهي رغبات في الظهور والتميز وتأكيد الذات, وعندما يحدد الإنسان هدفه يسعى إلى تحقيقه, شريطة توفر قدر معقول ومقبول من الشروط السابقة.

ـ الحاجة إلى تحقيق الذات, وهي المرحلة التي يستطيع فيها الإنسان أن يحقق الصورة التي يتخيلها لنفسه, ويتمكن الإنسان في هذه المرحلة من مواجهة التحديات دون خوف من الفشل لتحقيق النجاح, ويبدأ بالشعور بأنه في ظروف يستطيع من خلالها الإبداع والتطوير ويصبح فرد منتج في مجتمع يسير إلى الإمام. ويفهم من هرم ماسلو انه يأخذ بيد الإنسان والمجتمع من حاجاته الأدنى إلى الحاجات الإنسانية البحتة و الراقية بما فيها الأدب والفن والجمال, وهو يلخص فكرة " تحول التراكم الكمي إلى تحول نوعي ". وعلى خلفية هذه الهرمية لإشباع الحاجات فأن الحاجات الفسيولوجية تشكل قاعدة الهرم, وهي دوافع فطرية أولية وذات اثر اقل في حياة الإنسان ورقيه ويتوقف ذلك على درجة إشباعها, لكي ينطلق الفرد إلى تحقيق إنسانيته وتميزه عن باقي المخلوقات باعتباره أرقى مخلوق على الأرض, فكيف ينظر له في السماء !!!!!.

أن العودة إلى الخطاب الديني لاستقراء جوهر الثواب الذي يعد الله به ذوي الإعمال الصالحة فنجده ينحصر عند قاعدة هرم الحاجات, أي حصرا في الحاجات الأدنى ذات الطابع الفسيولوجي, ففي قوله تعالى وفي سورة الزمر, الآية(73): " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فأدخلوها خالدين ". وكما نعرف ويعرف جميع المفسرين أن للجنة ثمانية أبواب هي: باب التوبة, وباب الصلاة, وباب الصوم وهو باب الريان, وباب الزكاة, وباب الصدقة, وباب الحج, وباب الجهاد وباب الصلة ( صلة الأرحام ). والجنة درجات أعلاها الفردوس الأعلى وهو تحت عرش الله ومنه تخرج انهار الجنة الأربعة الرئيسية ( نهر اللبن ـ نهر العسل ـ نهر الخمر ـ نهر الماء ), وللجنة انهار وعيون تنبع كلها من الأنهار الأربعة الخارجة من الفردوس الأعلى وقد ورد ذكر أسماء بعضها في القرآن والأحاديث النبوية منها: نهر الكوثر وهو نهر أعطي للنبي ( ص ) ويشرب منه المسلمون في الموقف يوم القيامة شربة لا يظمئون من بعدها أبدا, ونهر البيدخ وهو نهر يغمس فيه الشهداء فيخرجون منه كالقمر ليلة البدر وقد ذهب عنهم ما وجدوه من أذى الدنيا " ولا نعرف هنا من هم الشهداء, هل هم ضحايا العمليات الانتحارية أم الانتحاريين أنفسهم أم كليهما !!!, ونهر بارق وهو نهر على باب الجنة يجلس عنده الشهداء فيأتيهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا, ونهر عين تسنيم وهي اشرف شراب أهل الجنة وهو من الرحيق المختوم ويشربه المقربون صرفا ويمزج بالمسك لأهل اليمين, وعين سلسبيل وهي شراب أهل اليمين ويمزج لهم بالزنجبيل, وجميعها أشربة لا تسكر ولا تصدع ولا تذهب العقل بل تملأ شاربيها سرورا ونشوة لا يعرفها أهل الدنيا يطوف عليهم ولدان مخلدون كأنهم منثورا بكؤوس من ذهب وقوارير من فضة !!!!!.

أما بالنسبة لطعام أهل الجنة فهو من اللحم والطير والفواكه وكل ما اشتهت أنفسهم " حسب المفسرين ", ولعل سورة الزمر في الآية ( 34 ) تنوه عن ذلك: " لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ". أما بالنسبة لأشجار الجنة فتوصف بأن سيقانها من الذهب وأوراقها من الزمرد الأخضر والجوهر ومنها: شجرة قطوبي, والتي قال عنها النبي ( ص ) إنها تشبهه شجرة الجوز وهي بالغة العظم في حجمها وتفتق ثمارها عن ثياب أهل الجنة في كل ثمرة سبعين ثوبا ألوانا ألوان من السندس والإستبرق لم ير مثلها أهل الدنيا ينال منها المؤمن ما يشاء وعندها يجتمع أهل الجنة فيتذكرون لهو الدنيا فيبعث الله ريحا من الجنة تحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا, وسدرة المنتهى وهي شجرة عظيمة تحت عرش الله ويخرج من أصلها أربعة انهار ويغشاها نور الله والعديد من الملائكة وهي مقام السيد إبراهيم ( ص ) ومعه أطفال المؤمنين الذين ماتوا وهم صغار يرعاهم كأب لهم جميعا وأوراقها تحمل علم الخلائق " وما لا يعلمه إلا الله " وفي الجنة أشجار من جميع ألوان الفواكه المعروفة في الدنيا ليس منها إلا الأسماء, أما الجوهر فهو ما لا يعلمه إلا الله, ونلخص ذلك ما ورد في سورة البقرة وفي الآية ( 25 ) بقوله في الكتاب: " وبشر الذين امنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ", وقد ذكر من ثمار الجنة التين والعنب والرمان والطلح والبلح والسدر وجميع ما خلق الله لأهل الدنيا من ثمار !!!!!.

كما شغل إشباع الدافع الجنسي حيزا غير قليل في الخطاب الديني, فعلى مستوى الرجل المؤمن الذي يدخل الجنة فقد منحه الله طاقة جنسية أضعاف ما كان في الدنيا, حيث يقول النبي ( ص ): " يعطى الرجل في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع.. قالوا: يا رسول الله أو يستطيع, قال: يعطى قوة مائة رجل ", أما بالنسبة للنساء فهن صنفين: 1 ـ الحور العين وهن مخلوقات لأهل الجنة وقد وصفت في القرآن بأنها: ( كأنهن الياقوت والمرجان ـ سورة الرحمن, الآية 58 ), ( وكأمثال اللؤلؤ المكنون ـ سورة الواقعة, الآية 33 ), ( وكأنهن بيض مكنون ـ سورة الصافات, الآية 39 ), وهن نساء نضرات جميلات لو أن واحدة منهن اطلعت على الأرض لأضاءت الدنيا وما عليها ـ حسب المفسرين, و 2 ـ نساء الدنيا المؤمنات اللاتي يدخلن الجنة وهؤلاء هن ملكات الجنة وهن اشرف وأفضل وأكمل من الحور العين, وكما قال النبي ( ص): " كفضل ظاهر الثوب على بطانته.... ", وكلا الصنفين مطهرات من كل " النجاسات " أي لا تبول ولا تحيض ولا تتبرز, أي إنهن ليست ناقصات عقل ودين كما في الدنيا, وعلى خلفية الحديث النبوي الذي يقول: " خرج رسول الله ( ص ) في أضحى, أو فطر إلى المصلى فمر على النساء, فقال: يا معشر النساء تصدقن فاني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن, وتكفرن العشير, ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من أحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل. قلن: بلى, قال: فذلك من نقصان عقلها, أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم. قلن بلى, قال: فذلك من نقصان دينها ـ صحيح البخاري ـ الجامع الصحيح ـ رقم 304 ", وغيرها من ألأحاديث الكثيرة بذات المعنى, وأذكر هنا فقط حديثا أخرا للنبي ( ص ): " اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء, واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ـ صحيح البخاري, الجامع الصحيح, رقم 3241 " !!!!!!.

وفي مجمل حديثنا المسند وبحدود التفسيرات الواردة نرى أن الجنة اختزلت في مجملها عند حدود قاعدة الهرم المتمثلة بإشباع الحاجات الفسيولوجية, من أكل وشرب وجنس, فهل تختزل أعمال الإنسان " والمؤمن" بشكل خاص وعبر عقود من حياته وعطائه عند قاعدة هرم الحاجات, وهل أن كدح الإنسان طوال حياته وأعماله الصالحة يجازى بأكل وشرب وجنس !!!!.

أن إيقاف العقل الإنساني عند حدود النصوص المقدسة يؤدي إلى إشاعة الجهل والفقر والمرض في مجتمعاتنا, وهنا تأتي أهمية انطلاق العقل في كامل حريته في الإبداع والتأمل والخيال دون التوقف, فالعقل الإنساني ليس في حدوده الجغرافية المحلية بل في عالميته العلمية والمعرفية وهي تساعدنا كثيرا في تضيق المسافة بين الدين باعتباره نصا مقدسا وبين الفكر الديني باعتباره مفسرا للنص, ويشكل ذلك إضافة حيوية للنص المقدس ووضعه في مكانه اللائق !!!!.










Sunday, 30 October 2011

الكــــــــآبة الحضاريــــــــــــة

 
 
شبكة الصداقة العراقية في المانيا
 
الكآبة الحضارية !!
 
د. صادق السامرائي
أخصائي أمراض نفسية
الولايات المتحدة الأمريكية
 
المقدمة:
مثلما يُصاب الأفراد بداء الاكتئاب, تصاب الأمم والشعوب به أيضا. فدورة حياة المجتمعات البشرية كدورة حياة الأفراد, وما يصيبهم يصيب المجتمعات, أوَ ليست الأمم والشعوب حاصل تفاعل مجموع الأفراد مع بعضهم البعض وهو تفاعل شامل ومتشعب.
إن الاكتئاب من الأمراض الخطيرة, لأنه يقلب البشر إلى قوة مضادة لنفسه ويجرده تماما من التفاعل مع الآخر فردا أو محيطا, كما أنه يسري في الأعماق بهدوء وتدرج حتى يحيلها إلى عصف مأكول وأعراضه تتغلغل فيها فتلونها بالسواد وتلغي منها أي لون آخر.
وكلما تأملت حالنا في القرن العشرين, أجدني أمام حالة من الاكتئاب الشعبي الشامل  (mass depression) الفاعلة في أركان الأمة وعلى مدى أجيال متعاقبة, وما استطاع أي جيل أن يشخص الداء ويصف الدواء, بل أن عطاءات الأجيال في القرن العشرين كانت مشحونة بالإبداع الفكري الاكتئابي, الذي يلوّن الحياة بالدم والموت ويحولها إلى معضلة وكأنها في نفق مظلم طويل لا نهاية له ولا شعاع ضوء قادر على التسرب إليه.
ويبدو أن حالة الاكتئاب الشعبي قد تفاقمت وامتدت إلى القرن الحادي والعشرين وتجاوزت القنوط واليأس وراحت تتخذ مسارات موجعة في هذا البلد أو ذاك. ولا أدري إن كنت مصيبا فيما أرى أم لا؟

أسباب الاكتئاب النفسي

1-  الفقدان (loss) أي أن يفقد البشر شيئا مهما أو عزيزا
2-  تفاقم المشكلات وعدم وجود منفذ للخلاص منها
3-  عدم التوازن ما بين الطموح والقدرات
4-  الإحساس بالتخلف أو التأخر
5-  الخسائر بأنواعها
6-  التوتر المزمن أو المستديم (chronic stress)

الأعراض والعلامات

1-المزاج الحزين
2-سرعة الغضب
3-فقدان الإحساس بالمتعة
4-العزلة والانشغال بالموت
5-الإحساس بفقدان القيمة
6-الشعور بالذنب والندب وتقد الذات وتقريعها وإذلالها واحتقارها
7-فقدان الأمل واليأس
8-ضعف التركيز وتشتته
9-عدم القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الثقة بالنفس
10-الشعور بالتعب والعجز والهياج والانكماش
11-التوقف والحركة البطيئة والمظهر الدامع الحزين
والآن لننظر حالنا في القرن العشرين وفقا لمنظور أسباب الكآبة
 
1-الفقدان
لقد فقدنا عبر مسيرتنا الحضارية الكثير من خصائص وجودنا القيادي المؤثر. وقد كانت فاجعتنا الكبرى بسقوط بغداد عام 1258 ميلادي. وعبر تأريخنا وعلى مدى ثمانية قرون متلاحقة كنا الضحية والخاسر الأول دوما. وقد تكررت خسائرنا في القرن العشرين وتعاظمت في جوانب متنوعة. وبرغم أننا قد حققنا ربحا في مسيرتنا العامة ووجودنا مقارنة بالقرن التاسع عشر. لكن الخسائر المتلاحقة قد حجبت عنا رؤية رافدنا الكبير فغرقنا في الجداول والسواقي والبرك والمستنقعات نحسبها كل ما في هذا العالم من حياة.
 

2- تفاقم المشكلات

بلداننا قاطبة قد تحولت في القرن العشرين إلى مستودع للمشاكل التي تفاقمت مع الأيام, وقد أجادت الأنظمة السياسية مهارات استثمارها وتطويرها. وهذه المشاكل مختلفة ومتنامية بأقصى سرعة ممكنة. وفي كل يوم هناك إعلان عن مشكلة جديدة عديمة الحل. فأصبح بشرنا من المحيط إلى الخليج يتخبط في أمواج المشاكل المتعاظمة, والتي إشتدت عليه بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية. وكانت محورا لتلك المشاكل قضية فلسطين التي إستنزفت طاقات وجودنا الصاعد, إضافة إلى مشاكلنا القطرية التي لا تنتهي.
 

3- عدم التوازن ما بين الطموحات والقدرات

إن الأهداف التي ترددت في بلادنا على مدى القرن العشرين كانت تدعو إلى الوحدة والحرية والتقدم والإصلاح والنهوض إلى حيث يليق بنا وبتأريخنا. وما تحقق منها شيء يرقى إليها. بل أن جميع الأقطار قد اتجهت إلى ضد أهدافها وتطلعاتها. وعلة ذلك عدم امتلاكها القدرات السياسية الكافية , وغياب خطة العمل المتوازنة للوصول الى الأهداف مما حقق إحباطا متراكما وشديدا في أعماق الناس , فتغلب عليهم الشعور بالأسى والخيبة الآمال وإنهيار التطلعات.
لقد أراد العرب أن يلتقوا بماضيهم المجيد الزاهر الذي يستحق الفخر والتقدير. وهو هدف مشروع وممكن لو أن الأمة أدركت وسائل الوصول إليه وعقلت المهارات اللازمة. وبسبب غياب خارطة الطريق الواصل ما بين الإرادة والطموح, أصابها الضياع والتخبط الذي ولّد جروحا حضارية متقيحة ومتنامية, برغم توفر القدرات المادية والبشرية والفكرية, لكن القدرة على وعيها واستثمارها كانت غائبة وما امتلكنا إلا قدرات تدميرها وإتلافها. فقد كنا نريد الوصول إلى مرتبة الأجداد ونحن نجهلهم تمام الجهل ونسبغ عليهم من ظنوننا البائسة ما هو مشين وقاتل لنا ولهم.
 

4-الإحساس بالتخلف والتأخر

منذ بدايات أيام اليقظة والنهضة العربية, صار العرب يقارنون بين حالهم في الماضي وواقعهم في الحاضر, فامتلئوا إحساسا بالتخلف والتأخر عن حقيقتهم التاريخية وتأدية رسالتهم ودورهم الانساني والحضاري. وقد تم تغذية الشعور بالتخلف والتأخر من خلال الاحتكاك المباشر مع الغرب. وقد توفرت منابر فكرية عربية متنوعة لتأكيد هذا الشعور وتعميقه والتخندق فيه إلى أبعد ما يمكن. وكأن الأمر كان مطلوبا لتحقيق العجز الحضاري والشلل المعاصر للأمة. ولا أدري لماذا لم يتأكد هذا الشعور في أمة الصين التي أدركت حالها في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. ونحن أدركنا أنفسنا في بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان علينا أن نكون ونتجاوز حالنا المتخلف كما توهمنا وفق أبسط الحسابات الحضارية. لكننا أمعنا في تأخير أنفسنا وشعورنا بأننا كذلك برغم كل خطوات تقدمنا ونهوضنا وعلائم صيرورتنا.
 

5-الخسائر المتنوعة

نحن عندما نتأمل أنفسنا نجد أننا في دوامة من الخسائر المتلاحقة والانهيارات المتواصلة وعلى جميع المستويات. ولا يوجد أي شعور حقيقي لدينا بأننا قد ربحنا معركة أو دورا في الحياة. بل أننا على الدوام عندنا شعور بالاغتصاب والانتهاب والاستعباد ومصادرة الحقوق الانسانية والمادية. وإن سلطان الخوف يلاحقنا أينما نكون, فإذا نطقنا برأينا إما نموت أو نكون في ظلمات السجون, وما علينا إلا أن نذعن ونستسلم لأرادة العابثين بمصيرنا والسارقين لحقوقنا من أبناء جلدتنا. فأبناء الأرض المبتلاة بالنفط يكابدون الفقر والجوع والمرض والخداع, وهم يعيشون على بحار من النفط الذي لا يعود عليهم إلا بالأسلحة التي تدمرهم وتقتل  أبناءهم في حروب لا مبرر لها , إلا امتصاص طاقاتهم وقتل شبابهم وزرع الأحزان في بيوتهم وهذا يولد شعورا قاسيا بالخسران عند الأب والأم والأبناء وعند كل من يعيش على أرض تحتها نفط.
 

6-التوتر المزمن

منذ الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا نحن نعيش في دوامة التوترات المتفاقمة وعلى مختلف المستويات. وما استطاعت الأجيال أن تتخلص من التوتر والاضطراب, بل أن حجم التوترات في تنامي واتساع. وإن القوى الطامعة في الثروات النفطية تجد وتجتهد في تأجيج نقاط التوتر وخلق مراكز متجددة لزيادة شدتها وكثافة الأطراف المحترقة فيها. ولا توجد دولة واحدة من دولنا معافاة من التوترات السياسية والعرقية والاقتصادية والعسكرية.
لقد تحولت أرضنا إلى مسرح للقتل والدمار وتجريب الأسلحة والقتال بالنيابة عن أطراف الحرب الباردة, وقد جربت عليها كل مبتكرات التدمير ووسائل التخريب وتحولت فيها الحقائق إلى غرائب وأوهام والبديهيات إلى مستحيلات. ولا زالت تخضع لأحدث فنون الحرب النفسية الموجهة بقسوة ووحشية ضدها.
إن حالات التوتر المستديمة لها مصادر داخلية وخارجية, وكلها تتفاعل وتساهم في جحيمات التفاقم للأزمات وتنمية مآسينا وتدمير قدراتنا. بل أن طاقاتنا قد تبددت وتجمدت وتحولت إلى ضديد لإرادتنا وسخرت لقتلنا والفتك بأهدافنا وطموحاتنا. فقد صرنا نُقتل بما نريد لأن الآخر يعرف كيف يوظف ما نريد لتحقيق ما يريد. وما تعلمنا كيف نصل إلى ما نريد لإهمالنا لأهم ركن من أركان الإرادة وهو العقل وتدثرنا بالانفعالات الحارة المؤذية.
 

الأعراض والعلامات

 
1-المزاج الحزين
الطابع العام لأمزجتنا هو الحزن, أما الفرح فأنه حالة طارئة وغريبة في حياتنا كعائلة أو أمة. وهذا ينعكس في نتاجاتنا الأدبية والفكرية وأغانينا وأحاديثنا اليومية وسلوكنا العام. وبسبب ديمومة الحزن في أعماقنا ترانا نشكو ونتأوه ولا نعرف إلا أن نلقي بأسباب سوء الحال ورزاءة المآل على غيرنا ونتهم الأقدار بما لم تفعل. وفي أكثر الأحيان نتخذ من السلطات الحاكمة وشاحا نعلق عليه كل معاناتنا وويلاتنا وبكائياتنا وما نفع تغيير السلطة مرارا في مداواة حزننا. فلينظر كل واحد منا إلى نفسه وعائلته ومجتمعه وسيرى مساحة الحزن الكبيرة في ساحات أيامه وأعماقه ومعظم أحاديثه وأحاديث الناس من حوله, وهذا يتكرر مع الأجيال بلا انقطاع أو توقف.
 

2-سرعة الغضب

المعروف عنا -قادة وأفرادا وأينما كنا- سرعة الغضب وفوران دمائنا وإتلافنا لأنفسنا بسبب ذلك. ولولا نعمة الشمس التي تساعدنا على مجابهة الكآبة المستديمة فينا لساء حالنا إلى أبعد مما هو عليه. فالحمد لله على وجود النور الساطع في أرضنا, والتي يعزو البعض سرعة غضبنا إلى كثرة سطوع الشمس, وأنا أخالفهم في ذلك وأرى إنها أحد أسباب ديمومتنا وعلاجنا من كآبتنا.
إن السبب الحقيقي وراء غضبنا السريع هو الاكتئاب الشامل الذي يعصف في كيان الوجود العربي. وعندما نتخلص من كآبتنا, ستزول عنا هذه الصفة ونؤوب إلى رشدنا ونستخدم عقولنا بكفاءة. لقد تم استغلال هذه الصفة من قبل الآخرين وحققوا من خلالها مشاريعهم وطموحاتهم, بل أنهم سخروها لاستنزاف طاقاتنا ومنعنا من الإمساك براية الانطلاق الحضاري المتفق مع حقيقتنا ورسالتنا الانسانية.
 

3-فقدان الإحساس بالمتعة

إننا لا نتمتع بما نملك وبما في أوطاننا من الخيرات والشواهد والثروات ومواطن الجمال والبهجة. ولا نراها إلا شيئا جامدا ذليلا خاليا من تحقيق الشعور الإنساني الجميل. نحن نملك كل شيء ولا نملك شيئا. عندنا معظم ثروات الأرض وما عندنا شيء.
نحن  "كالعيس في الصحراء يقتلها الظمأ   والماء فوق ظهورها محمول" أي أن قول الشاعر هذا ينطبق علينا تماما. وعندنا ميزة عجيبة وفريدة ملخصها إننا لا نرى ما عندنا ونرنو إلى ما عند غيرنا, فلا نتمتع بما نملك ولا نحصل على ما لا نملك. والأنكى من هذا, إننا نبخس ما عندنا ونثمّن ما عند غيرنا ونضفي عليه من خيالات عجبنا ما ليس فيه. كأننا نحوله إلى معشوقة نهيم بها ونتغنى بهواها ولقائها. وهذه الميزة مستفحلة في شخصيتنا ومؤثرة في سلوكنا الفردي والجمعي.
 
4-العزلة والانشغال بالموت
الاكتئاب من أهم أسباب التخندق والانعزال في وطننا الكبير, فالعربي يفضل العزلة عن أخيه وصار يشعر بالعزلة وهو في بلده لأنه لا يجد من يتفاعل معه ويستمع إليه , لأن كل فرد صار مستودعا متزايدا للهموم والآهات والأوجاع ولا يعرف إلا كيف يتلفظها , ويأنس لتحمل تدفقها وانبثاقها من جميع خلاياه ووديان أعماقه الجريحة. وهذا ينعكس على كل مواطن مما رسخ التجزئة ومزق أية قدرة على التفاعل الصحيح مع أبناء الوطن. ومع تواكب الأعوام في القرن العشرين ازددنا عزلة وصارت بلداننا خنادق حزن تضمنا وسجونا تأوينا. كما أن الهم الأكبر تحول إلى الانشغال بالموت وإهمال الحياة. فصرنا نسفه كل مفردات الحياة أمام حقائق الموت وفاعليته وسلطانه, ولهذا فقدت الحياة قيمتها وتسلطن الموت في الأعماق, فصرنا نعبر عنه في أفعالنا وأقوالنا وإبداعاتنا. وربما تغلب الموت بأفضليته على الحياة وصرنا نردد "من الأفضل أن نموت ففي الموت حياتنا" وهذه أفكار اكتئابية عاصفة في حياتنا ومؤثرة في دورنا الإنساني وهناك الكثير من الشواهد عليها.
 

5-الإحساس بفقدان القيمة

هذا الشعور القاسي الوخيم الذي لا يخلو منه بشرنا قد استفحل في حياتنا وتنامى في ديارنا. فأخذنا نقرأ ونسمع ونرى ما يدهش حقا من الإمعان بتصغير أنفسنا وتجريدها من أية قيمة إنسانية أو حضارية. وقد امتد تأثير الإحساس بفقدان القيمة إلى تراثنا وحاضرنا ومستقبلنا. ونحن كل يوم نقرأ في صحفنا مقالات تؤكد التعبير عن هذا الشعور الاكتئابي المريض. وكم قرأنا في صحفنا مقالات تجرد لغتنا من قيمتها ودورها وتراثنا من جدواه. بل وتريد أن تلقينا في أحضان النسيان والاندثار.
 
6-الشعور بالذنب والندب ونقد الذات وتقريعها وإذلالها واحتقارها
الشعور بالذنب متفاوت في درجاته, لكنه قائم في معظم أركان حياتنا. فكل فرد منا مشحون بطاقة الشعور بالذنب والاستسلام لعذابات الضمير, ونستطيع أن نجد الدليل على ذلك في الكثير من نشاطاتنا الفكرية والثقافية. فنحن على درجة عالية من حساب الذات وهذا يدقع إلى الندب ونقد الذات وتقريعها وإذلالها واحتقارها. فنحن من أقسى أمم الأرض على أنفسنا ولا تخلو صحيفة من صحفنا من مقالات تهاجم حالنا وتندب وجودنا وتنهال علينا بما يشتهي كتابها من الصفات المشينة. ففي جميع كتاباتنا الفكرية هناك تقريع ذاتي وهجوم شرس على وجودنا وواقعنا وبأقلامنا. إننا دائما نتهم أنفسنا ونقرعها وما عرفنا الكتابات الإيجابية, بل اعتدنا على إبداعات الندب والنقد البائس الحزين.
 
7-  فقدان الأمل واليأس
اليأس شعارنا وفقدان الأمل سلاحنا وأسلوبنا في عصرنا الدامع الحزين, وهما يلونان وجودنا ويطغيان على جميع نشاطاتنا. وما رأيت أوضح من ظهورهما في كتاباتنا وأحاديثنا. وقد أثر اليأس على حركة الأجيال وسرق من شبابها كل همة واندفاع نحو صيرورة متوازنة مع ما فيها من الطاقات. إن آفة اليأس تأكل الإنسان العربي كما تأكل "الأرضة" جذوع الأشجار فتضعف مقاومتها للرياح وتبيدها بصمت وهدوء.
نحن يائسون قانطون, وعندنا فكر السماء وكل مفردات الإيمان والحياة الطيبة السعيدة, ومع هذا نعيش حالة مناقضة لما عندنا. فاليأس لا يتفق مع الإيمان وإن طغى اليأس ذهب الإيمان.
 

8-  ضعف التركيز وتشتته السريع

نحن بطيئون في كل شيء مقارنة بأمم الأرض الأخرى, وهذا البطء ناجم عن ضعف التركيز وتشتته. فنحن نقرأ ببطء لأننا لا نستطيع التركيز, فأفكارنا مشتتة وأدمغتنا ممزقة بالمشكلات اليومية المتفاقمة. وبسبب ضعف التركيز فقدنا القدرة على فهم أحوالنا وفهم ماضينا واستنباط الحقائق الضرورية لتطورنا وتنامي قدراتنا, فصار تراثنا عبئا علينا وأنتهينا إلى غربة قاتلة وجهل مروع.
 

9-  عدم القدرة على اتخاذ القرار وفقدان الثقة بالنفس

     وذلك بسبب ضياع القابلية على تجميع الأفكار وصياغتها بأسلوب علمي, ولطغيان الطاقات الانفعالية على القدرات الفكرية وتحول العقل إلى عبد مطيع للعاطفة. وفي هذه الأجواء المشحونة باضطراب التفكير وتلاشي التركيز, يكون القرار الصائب الصحيح غير ممكن. وأن أي قرار يمتلك نتائج سلبية أكبر من النتائج الإيجابية. وهذا يفسر سلبية القرارات وشيوع اضطرابها وإتيانها بنتائج وخيمة وتوليدها لمشكلات غير محسوبة. وهذا يدفع بدوره إلى فقدان الثقة بالنفس. فهل نحن واثقون بأنفسنا؟ ومن أين نأتي بأسباب وعوامل تأكيد الثقة بالنفس؟ فالأكثرية منا منزوعة الثقة بنفسها, وإن هذه الصفة تنعكس على سلوكنا بمختلف مستوياته وتفرعاته وتتأكد في سلوكنا السياسي كدول وقادة. وقد تمكن الآخرون من ترسيخ فقدان الثقة بالنفس في جميع مفردات حياتنا, وصار الخوف والتردد والشك عوامل فاعلة في سلوكنا.
 
10-الشعور بالتعب والعجز والهياج والانكماش
سمات مهيمنة على أيامنا, فطريقنا يزداد طولا وهمومنا تزداد ثقلا, وأمام كل خطوة نهم بالركون إلى قيلولة. وصار القريب بعيدا في ديارنا, فتعلقنا بأحلام اليقظة واستحضرنا السندباد ومصباح علاء الدين, وإذا كل ما نريده يصير ضبابا تبدده أنوار الحقيقة الساطعة وسقوط الأقنعة. إننا نشعر بالتعب والعجز ولا شك في ذلك. والقارئ يرى ما تنشره صحفنا من آراء العاجزين وأقوال المتعبين, وكأننا في وادٍ مظلم ودوامة من المآسي المتزايدة. ولا توجد أمة أشد عجزا منا في الوقت الحاضر أو إحساسا بالتعب والملل , وهذا يعني بأننا سنتبرع بكل ما عندنا لغيرنا بسبب عجزنا على الاستمرار في امتلاكه.
إن ما نعانيه من اضطرابات متنوعة, يؤكد درجة الهياج الإكتآبي الناجمة عن اليأس المروع العاصف في أرجاء النفس عندنا. ويتخذ الهياج أشكالا مختلفة ومتنوعة ويعبر عنه بانفعالات وأقوال وجرائم قد تكون بشعة جدا. لأن البشر في حالات الهياج الاكتئابي يفقد صلته بالواقع وتضيع منه الحكمة والقدرة على إدراك نتائج ما يقوله ويفعله , مما يؤدي إلى تزايد المشكلات والمعاناة. ونحن في واقع أمرنا نتأرجح ما بين الهياج العارم والخمول الشديد وفي هذا جزء كبير من مآسينا.
 
11-التوقف والحركة البطيئة والمظهر الدامع الحزين
الأمة متوقفة عن المشاركة الحية والجادة في صناعة الحضارة البشرية المعاصرة – ولو أن أبناءها يساهمون في ذلك في معاقل إغترابهم-بل أن دورها غائب وكأنها نائمة ومنقطعة عن الحياة, وهي التي ابتدأت مشروع التقدم والإرتقاء منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولا زالت تتحرك كالسلحفاة, وأكثر خطواتها تجرها إلى الوراء في حين أن أمما قد بدأت في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين سبقتها في كل الميادين. إن التوقف الحضاري  هو علامة واضحة تؤكد شدة الاكتئاب الذي نعاني منه.
أما المظهر الحزين, فأننا صرنا معروفين بملامحنا المرسومة بمداد الألم والآهات والخسران. ويتفاوت مظهرنا من بلد إلى بلد حسب درجة المرارة واليأس المرسومة على وجوهنا. لكن المظهر العام لنا هو المظهر الكئيب المتجهم الذي تشيع منه علامات الانكسار والغضب والجراح. كما أن أحاديثنا عبارة عن بث للشكوى وبكائيات ورثائيات وندب وتأسف ونقد مرير لوجودنا وأحوالنا المتحركة من سيئ إلى أسوأ وقد عبرنا عن ذلك بوضوح في أشعارنا وأغانينا ومظهرنا العام وبكل ما يمت بصلة إلينا.
إن الأجيال في قاموس الأزمان تكون كفرد, وأجيالنا الحاضرة إنما هي فرد دامع حزين ينفث الحسرات ويضرب كفا بكف!
 

الخاتمة والعلاج

تلك هي أعراض مأساتنا الحضارية وعلاماتها. وبما أن الكآبة مرض يمكن علاجه, فأن علينا أن نبحث في العلاج الذي يمكنه أن يشفينا منها. إن الأمة لا يمكن علاجها بالأدوية والعقاقير المضادة للكآبة أو بالصدمة الكهربائية. إن العلاج الأمثل لكآبتنا الحضارية هو بالعلاج الإدراكي COGNITIVE THERAPY
وهذا العلاج يرتكز على أن الأفكار تؤثر في المشاعر والسلوك البشري وإذا غير البشر طريقة تفكيره فأن سلوكه ومشاعره سيتغيران. إن التشويه الإدراكي هو أصل الإكتئاب والتغيرات العاطفية والجسمية وباقي أعراض الكآبة. أي عندما تفكر بالأمور على أنها غير ما هي عليه وننظرها بعيون أمامها عدسات تشويه ينعكس ما نراه على سلوكنا . فعندما نكون بلا طاقة وعدم مبالاة يكون ذلك ناتجا عن الإحساس بالفشل وتوقعه في كل مناحي النشاط الذي نقوم به. وكذلك الشلل الشامل يكون بسبب اليأس وفقدان الأمل. كما أن الإحساس السلبي للذات وإدراكها على أنها وجود سالب ومقيت يدفع إلى الشعور بلا قيمة الذات وعدم كفاءتها وحرمانها ونبذها من قبل الآخرين, وهذا بدوره يصنع إدراكا سلبيا للعالم الخارجي, وهذا يؤسس لهزيمة الذات وتوقع فشلها وعقوبتها واستمرار توقعاتها للصعوبات والمقاساة والخذلان.
إن العلاج الإدراكي يهدف إلى تشخيص وتحديد الذهنية السلبية والتشويهات الإدراكية المتراكمة واستبدالها بإدراكات جديدة مرنة ومفيدة لتحقيق القدرة على التفكير الذي يحقق انسجاما ما بين الإدراك الإيجابي والسلوك الناجم عنه وهذا يحقق الحياة الأفضل.
والخلاصة أن المشاعر والسلوكيات تتحدد بالطريقة التي نرى فيها العالم ونركبه في أذهاننا.  وهذا العلاج يصلح لنا لأننا نمتلك مستويات عالية من الاضطراب الإدراكي وهو يؤهلنا للتمييز بين المشاعر والأفكار ويمنحنا الرغبة والإمكانية لصيرورة أفضل ويزودنا بمهارات عالية في السلوك الإيجابي.
علينا أن نحدد الأفكار التلقائية, التي هي أفكار مشوهة ومختلقة من خلال التعامل مع الأحداث والمواقف, وهي تعترض التفاعل ما بين الذات بانفعالاتها وعواطفها والحدث الخارجي المحيط بها. فقد تعتقد أن الشخص الذي لم يسلم عليك يكرهك, بينما قد يكون ذلك لأسباب أخرى منها مثلا أنه مهموم ومشغول بأمر كبير ومزعج. إن تفحص هذه الأفكار وعدم تضخيمها والتصرف على ضوئها  وتحديد التكيفات السلوكية الخاطئة الناتجة عنها ضروري لسلامتنا الفكرية والسلوكية.
إن التفسيرات السلبية لها فعلها في حياتنا وهي تؤدي إلى آثار أليمة ونتائج وخيمة, فنحن مهرة بالتعميمات وتثمير الأحداث الصغيرة وتحويلها إلى مسلمات وثوابت فكرية وسلوكية, فنقول أن المشكلة في هذا المجتمع وهذا الوطن بينما هي مشكلة صغيرة في بيت من بيوتات مجتمعنا, فنلصق ما يحصل في بيت من بيوت المدينة بالمدينة كلها. وعلى ما يبدو فقد علمنا الآخرون استخدام لغة التعميم ضدنا لكي يحققوا ما يسعون إليه.
أما الإسقاطات, فأنها واضحة في سلوكياتنا بصورة عامة. فنحن نتحدث بلغة "هو" ونجعل الآخر هو السبب الأول والأخير فيما يحصل وننفي عنا أية مسؤولية, وهذا نوع من التفكير السلبي العائر الذي يوفر لمن يرغب بنا أسلوبا لتحقيق ما يريد.
ويبدو أن من الضروري أن نمتلك القدرة على التمييز بين التفسيرات السلبية والإيجابية وأن نتمسك بالإيجابي منها. وأن نسعى لكي تكون توقعاتنا ذات معاني إيجابية ومشحونة بالأمل والتفاؤل والإيمان بأن الغد أفضل دوما. كما أن التمسك بالواقعية والعلمية في تفسيراتنا يساعدنا على العلاج ويوفر لنا الأرضية لحياة صحيحة طيبة. وعلينا أن نكون معقولين وغير مضطربين بسبب احتدام العواطف والانفعالات في أعماقنا مما يدفع إلى تشويه بصائرنا وإدراكاتنا وتعميم تصوراتنا. إن تنازلنا عن التعميمات وابتعادنا عن الإسقاطات والتبريرات ووقوفنا أمام أنفسنا بعلمية وثقة وصدق وإصرار على الصيرورة الحضارية الزاهية والدور الإنساني الواضح, يؤسس لتحقق حضاري جديد. أما إذا بقينا نتعامل مع الأيام بعقلية إكتئابية وتأنيبية وإمعان بالقسوة على الذات وتحجيم قيمتها والتفتيش عن كل السلبيات والعثرات وصبها في بودقة سلبية واحدة ذات لون أسود, وتوفير ذهنية مشوهة, فأننا لن نخطو إلى أمام مثل باقي البشر, وستغلبنا السلحفاة في وصولها إلى حيث تريد. إن إنجازنا في القرن العشرين أقل بكثير جدا من أمم بدأت بعدنا بعقود عديدة وهذا يؤكد ويشير إلى ما سنكون عليه في القرن الجديد.
إن المفكر العربي عليه أن يتخلص هو الآخر وبالدرجة الأساس من الذهنية السلبية المشوهة التي على ضوئها يغوص في تحليلات سلبية وينتهي إلى نتائج سلبية مشوهة تصب في  ميادين إحباطنا وزيادة شدة كآبتنا وانكماشنا وتلاشينا الحضاري.
 
المصادر
1-Diagnostic Criteria from DSM-IV, APA 1996, Page 161-163
2-Kaplan& Sadock, Psynopsis of Psychiatry, 8th edition, 1997, page 919-924
 
 
 
 


Saturday, 22 October 2011


 
 
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا                 
                                                                                                                                        
   ملاحظات حول أزمة المجتمع العراقي(*)              
 
د. ابراهيم الحيدري              
 
لم يشكل العراق بحدوده الحديثة وحدة سياسية منفصلة ومستقلة نسبيا الا في مطلع القرن العشرين. ولم يكن هناك "مجتمع عراقي" يمكن تشخيصه بكونه مجتمع متكامل ومستقر وله دولة مركزية بالمعنى الحديث للكلمة. حيث كان الافراد ينقسمون في فترة الحكم العثماني الاستبدادي الى رعايا وليس مواطنين والى افراد ينتسبون الى قبائل و طوائف ومناطق وحرف وينقسمون بدورهم الى بدو وريفيين وحضر. واذا كان هناك تناسق ظاهري بين مكونات الشعب العراقي، فهناك اختلافات عديدة مفعمة بالاهمية، فبالرغم من الادعاء بالاصل الواحد، فالعراق لم يكن الا وارث شعوب واجناس وقبائل وطوائف ولغات متنوعة تهيأت لها بعض المستلزمات الضرورية لقيام حكم وطني بدأت معالمه بالتطور التدريجي بدءا بتأسيس اولى الاحزاب والجمعيات الوطنية بعد الحرب العالمية الاولى.
 
العراق أمة تبحث عن دولة ودولة تبحث عن هوية !
 
لقد كان تشكيل الدولة العراقية العام 1921 نتاجاً مشوهاً لنمط الهيمنة الكولونيالية الذي كان استجابة للنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد آنذاك حيث تم تكوين جماعات تحالف تقليدي تكونت من شيوخ القبائل العربية والكردية وكبار الضباط  السابقين في الجيش العثماني والاشراف وتجار المدن والوجهاء والافندية ،الذين شكلوا نخبة سياسية غير منسجمة في الواقع، حاولت تشكيل هوية وطنية للقيام ببناء العراق وتحديثه واضعاف الانقسامات القبلية والاثنية والطائفية.
 
ولم يكن العراق حتى ذلك التاريخ شعبا موحدا في " أمة " ويكون وحدة سياسية واحدة لتعدد وتنوع وخلاف واختلاف مكوناته، ولم يدفعهم وعيهم الاجتماعي والسياسي الى تشكيل "دولة" تستقطب مشاعرهم وانتماءاتهم وولاءاتهم وتوحيدهم في هوية وطنية واحدة. وهو ما ادى الى نمو روح محلية قوية في المدن وروح عشائرية قوية في الريف، ليحافظ كل من الحاكم والمحكوم على وضعه الاجتماعي وحماية نفسه.
 
كما لم يكن العراق مجتمعاً متكاملاً وذلك لوجود اثنيات واديان وطوائف ولغات متعددة كالعرب الذين يكونون اكثرية السكان ويتشكلون من عدد من الطوائف المتمايزة والمنغلقة على نفسها نسبياً وذلك بسبب السياسة التي اتبعتها الدولة العثمانية لدعمها مذهباً دون آخر، بالرغم من تمتعهم بسمات قومية ودينية مشتركة، وكذلك الاكراد والتركمان والاشوريين والأرمن والكلدان والصابئة  واليهود وغيرهم.
 
اشكالية الدولة والمواطنة
 
لقد عانى العراق وما يزال من ضعف الدولة بالمفهوم الحديث، حيث لم يسبق ان جرب العراقيون تأسسيس دولة حديثة منذ سقوط بغداد على يد المغول واحتلال الدولة العثمانية  للعراق. ولم يكن العراقيون يعرفون كيف يؤسسون دولة حديثة، كما ظهرت في أوربا في العصر الحديث، تقوم على مؤسسات المجتمع المدني واحترام حقوق الانسان والتمتع بحق التعبير الحر عن الذات واحترام الاخر المختلف، وفي ذات الوقت ، استماع الدولة الى مطاليبه ومحاولة تحقيقها.
 
والحقيقة، فأن الوعي الديني والاجتماعي ـ السياسي لم يدفعهم الى توحيد انفسهم وتشكيل وحدة سياسية تستقطب مشاعرهم وانتماءاتهم وولاءتهم وتوحدهم في هوية وطنية واحدة. كما لم يكن الدين او العروبة مقرران لتوحيدهم في هوية وطنية واحدة.
 
وكقاعدة عامة، كان سكان المحلة في المدن يعيشون في عالم خاص بهم، فلم يكن عندهم وعي وفهم حقيقي لمفهوم الوطن والدولة والهوية. وعندما حاول سكان المدن توليد السلطة وتأسيس دولة حديثة، انكشف ضعفهم وبانت هشاشة مقوماتهم الحضرية وتسربت العصبيات الاثنية والقبلية والطائفية والجهوية الى قمة السلطة وبدأت المنازعات العشائرية والانقلابات  العسكرية.  وهو ما يفسر والى حد بعيد اشكالية " الدولة" وعدم نضجها وتخلفها وضعفها، بحيث بقيت "العصبية القبلية" كنقيض للدولة الحديثة واستمرت كبنية مؤسسية سلبية وملتبسة. كما استمر دور العشيرة والعائلة والطائفة في الحياة السياسية والاقتصادية كضمانة لها في توفير الامن والحماية للفرد والجماعة بدل الدولة، التي ما زالت لم تستكمل شروط قيامها.
 
أما المواطنة فهو مفهوم ذو دلالات اجتماعية وسياسية مستمد من كلمة وطن بكل ما تحمله الكلمة من معاني الارتباط بالارض والتاريخ واللغة ومشاركة الفرد في السلطة. وبهذا المعنى تعني المواطنة منظومة من القيم ومشاعر الولاء والانتماء التي تكرس معنى المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتحترم التعددية والتنوع وتلغي الفوارق الاثنية والدينية والطبقية والجنسية بين البشر. وبهذا فالمواطنة هي اطار فلسفي عام وشامل لكل الامم والشعوب، ولا يرتبط بالمعنى القانوني للجنسية فحسب، وانما يتجاوزه الى معنى أوسع واشمل هو الولاء الأقوى والانتماء الاشمل الى الارض- الوطن.
 
وبالرغم من ضعف الدولة الملكية واستبدادها والتناوب الديمقراطي الشكلي فيها، فقد تطورت روابط من المشاعر الوطنية المشتركة بين فئات وطبقات المجتمع العراقي، بالرغم مما انتابها من ضعف ووهن وعجز عن الاستمرار في النمو وبناء دولة القانون والمجتمع المدني، ونمو "طبقة وسطى" كان من الممكن ان تحمل على اكتافها مهمات قيام الدولة الوطنية الحديثة لولا ضمورها.
 
الردة الحضارية
 
شهدت العقود الثلاثة الاخيرة ردة حضارية عميقة الأثر والتأثير على المجتمع العراقي وبخاصة منذ استيلاء صدام حسين على السلطة وفرضه نظاماً دكتاتورياً ابوياً واستبدادياً قاد الى آتون حروب وكوارث وحصار ومآسٍ خطيرة تركت بصماتها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وكذلك على مستقبل العراق، كان من نتائجها انهيار البنية التحتية وتمزق النسيج الاجتماعي والعائلي والاخلاقي، بحيث أصبح العراق منقسماً على ذاته ومنشطراً الى هويات فرعية متعددة، ما لعب دوراً كبيراً في تغيير الثوابت الوطنية للشخصية العراقية وتشويه سماتها الأصيلة وهيأ لوقوع العراق تحت براثن قوات الغزو والاحتلال التي اجهزت على بقايا الدولة الضعيفة ومؤسساتها المفككة واشاعت الفوضى والدمار والخراب وساعدت على خروج العراقي المكسور من قمقمه ليقع في براثن المحاصصة الأثنية والقبلية والطائفية التي ساعدت على قيامها قوات الاحتلال ورسختها قوى المعارضة المفككة التى لم يتم نضجها والتي تكالبت على تقاسم السلطة والثروة والنفوذ.
 
ويمكننا ايجاز أهم مظاهر الأزمة الاجتماعية بما يلي:-
 
1- حكومات محاصصة ضعيفة لا ديمقراطية تتكالب على السلطة والثروة  والنفوذ  
 2- ضعف الدولة ساعد على عدم استتباب الأمن والنظام ، وهو ما قوى العصبيات القبلية والطائفية والمناطقية ورسخها وحولها الى حكومة محاصصة طائفية.
 3- شيوع ثقافة العنف والارهاب والاحتراب باشكاله المختلفة ومستوياته المعددة التي تغذيها النزعة الابوية-البطريكيةحالذكورية وقيم البداوة وروح التغالب.
4- ان ضعف الدولة والمحاصصة الطائفية والاحتلال اشاع الفساد والرشوة والسرقة والتحايل والمحسوبية والمنسوبية.
5- ما دامت الدولة ريعية وتعتمد على واردات النفط فقط، فسوف تستمر هيمنتها وتسلطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
6- لقد لعبت الدولة الريعية دورا هاما في ضمور الطبقة الوسطى التي نمت في منتصف القرن الماضي والتى كان من المفروض ان تحمل على اكتافها  عملية التحديث والتقدم الاجتماعي.
7-  تشير الاحصاءات  الى ان البطالة وصلت الى حوالي 27% ما عدا البطالة المقنعة. كما وصلت نسبة الأمية الكتابية الى حوالي 26% ونسبة الامية الحضارية الى 80%.
8- تجاوز عدد الايتام والارامل والمقعدين والمشردين الى  مليوني شخص
9- ان حوالي 40% من افراد الشعب يعانون من الامراض النفسية وخاصة امراض الاكتئاب والقلق.
10- ان تسيس الدين واستغلال الشعائر والطقوس الدينية سياسيا واقتصاديا سبب تعديا على حقوق المواطنيين وعلى الدين نفسه، ولذلك يقتضي فصل الدين عن الدولة .
11- بالرغم من هامش الحرية والديمقراطية ومشاركة الملايين في الانتخابات،  فقد ازدادت مشاكل المرأة واستلبت حريتها وتعمق خضوعها واضطهادها، كما تفاقمت مشاكل الشباب والاطفال وارتفعت معدلات الجريمة والجنوح والتجاوز على حقوق الاخرين.
12- ان انحطاط الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي عمل على تزايد تدهور طرائق التربية والتعليم  والثقافة وتخلف "الذهنية" العراقية واستلابها وانقسام الشخصية العراقية الى واحدة متسلطة واخرى عاجزة وخاضعة وتقول "انا شعليه".
 
وهكذا اعادت الردة الحضارية العراق الى ماقبل تأسيس الدولة العراقية .
 
ولذلك ينبغي على جميع العراقيين اعادة النظر بالخطاب الفكري والسلوك الاجتماعي والبدء بالشعور بالندم والاعتراف بالخطايا ثم الاعتذار للشعب العراقي، لأن الاعتراف بالخطأ وتجاوزه هو اعظم فضيلة من الممكن ان نقوم بها اليوم !
 
فبعد مرور اكثر من ثماني سنوات على سقوط النظام السابق ، ما يزال العراق يتخبط في تخلفه، بل اصبح اليوم اكثر تخلفا وعنفا وفوضى وانقساما على ذاته. فهو يدار اليوم من دولة ضعيفة وغيرمتحررة ومؤسسات غير متماسكة مع بعضها البعض، مع قوات جيش وشرطة وأمن غير مقتدرة ومخترقة من قبل ميليشيات طائفية متعددة، وبدون قانون مدني يحمي المواطنين فعلا ويدافع عن حقوق الانسان وحيث يعيش الناس في ظل ثقافة عنف وارهاب وتحت سلطة ميليشيات تكفيرية وعصابات اجرامية منظمة واحتراب أهلي وفساد ورشوة مستشرية في جميع مفاصل الدولة والمجتمع .
ان هذه الفوضى تكشف بوضوح بأن مهمة التحول الديمقراطي، التي يدعو اليها الكل، سوف لن تكون سهلة ، لان هذا الجيل، الذي يعيش ثقافة العنف والارهاب والفوضى والفساد ، سوف يولد بالضرورة جيلا اكثر انقساما وعنفا واستلابا. وهي بالتأكيد نتائج وآثار مرعبة  ليس من السهل تصورها وتغييرها على الأمد القصير. ولهذا يصل الباحث الاجتماعي المتأمل الى ما يجري في العراق اليوم ، الى ان هناك  خطر راديكالي داهم، تغذيه ايديولوجيات ومصالح وصراعات أثنية ودينية وقبلية وطائفية تكاد تمزق النسيج الاجتماعي والثقافي والاخلاقي.
 
ان الأزمة المركبة التي طالت افراد المجتمع والدولة والثقافة ، تدعونا اليوم الى الوقوف طويلا أمام مرآة محدبة للتعرف على ذاتنا ونقدها، وقفة تأمل عميقة مع الذات المنكسرة. فنحن اليوم في حاجة ماسة الى وعي اجتماعي جمعي شامل والى مزيد من المنطق والعقلانية  لممارسة النقد والنقد الذاتي ومراجعة ما نحن فيه والبدء بلملمة الشمل ومداواة الجراح .
وتبدأ المراجعة بمصالحة وطنية حقيقية يسودها الوفاق والثقة المتبادلة والتسامح والتواصل والتفاهم والحوار العقلاني الرشيد وليس العاطفي والمصلحي المنفعل، وذلك لان افراد المجتمع في العراق اليوم هم جزء من اشكالية المجتمع العراقي المنقسم على ذاته. وان الاعتراف بهذه الحقيقة المرة يعني الاعتراف بالاخطاء والذنوب والخطايا والتجاوزات، التي شارك الجميع فيها بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهي خطوة من الممكن ان توفر فرصة ذهبية سانحة للتفكير والتأمل في تجارب الماضي والحاضر المريرة والتعلم من الاخطاء السابقة واستخلاص العبر والدروس منها .
 
والخطوة الاولى هي وضع فلسفة عقلانية للتربية والتعليم من اهدافها اعادة بناء الفرد والعائلة والثقافة وتقويم المجتمع العراقي المنقسم على ذاته وامتلاك ارادة قوية وايمان ثابت بالانسان العراقي  ومساعدته في استرجاع وعيه الاجتماعي وثقته بنفسه ووحدته الوطنية من جديد وخلق اجيال جديدة بعيدة عن ثقافة العنف المستشرية اليوم. ومن الضروري وضع سياسات وبرامج عمل عقلانية  للتخلص التدريجي من شتى اشكال الفساد المالي والاداري والاجتماعي والاقتصادي والرشوة والمحسوبية والمنسوبية واعادة اعمار البنية التحتية حيث ما زالت مشاكل الماء والكهرباء والنظام الصحي وتصريف المياه وغيرها مستعصية عن الحل.
ولكن،  المشكلة هي انه اذا استطاع العراق اعادة بناء البنية التحتية في سنوات قليلة، فليس من السهل بناء الانسان المكسور والمحطم نفسيا واجتماعيا واخلاقيا، فقد يحتاج ذلك الى سنين طويلة، مثلما يحتاج الى اعادة هيبة الدولة واخضاع جميع التنظيمات والجماعات المسلحة لسلطتها المركزية واستعادة دور المدينة ووظيفتها الحضرية والتنويرية، فالمدينة هي وحدها القادرة على امتصاص "البداوة المقنعة" وتغالبها واذابة الفروقات الأثنية والدينية والقبلية والطائفية  بينهم وصهرهم في هوية وطنية واحدة.
 
والخطوة الثانية الهامة التي علينا تحقيقها هي الاندماج السياسي في مشروع الدولة الوطنية على اساس الولاء الى دولة القانون والمجتمع المدني والانتماء الى وطن واحد وهوية وطنية واحدة، ولا يتم ذلك الا وفق مؤسسات مدنية لا شخصانية وفي ظل تعددية ديمقراطية وسياسية تجمع وتوحد جميع مكونات المجتمع العراقي. ومن الضروري تمكين جميع تلك المكونات الاجتماعية من تعريف نفسها ومصالحها وثقافتها الفرعية ضمن مشروع الدولة الوطنية. وبالمقابل على الدولة، كاطار سياسي، ان تكون مرجعا مستقلا عن السلطة السياسية، لان جوهر عمل الدولة هو ان تؤدي وظيفتها المستقلة باعتبارها ممثلة للمواطنين وليس لشخص الحاكم وان تكون مستقلة عن المجتمع الذي شكلها، وان تكون لها مرجعية شرعية مستقلة ومحايدة لها معاييرها وآلياتها الخاصة بها. وهو ما يمكنها من ان تكون متحررة من الولاءات والانتماءات للثقافات الفرعية. ولذلك علينا تعلم قيم الديمقراطية واخلاقها وممارستها عن طريق التواصل والتفاهم والحوار واحترام الرأي والرأي الآخر،  فهو الطريق الوحيد لبناء جسور الثقة والتسامح والوئام من جديد .
 
ان اعادة انتاج الدولة الوطنية الديمقراطية، كنظام حكم سياسي ودولة قانون ومجتمع مدني وليس مجرد اقرارشكلي بالتعددية الديمقراطية، هو المدخل الرئيسي لحل كثير من الاشكالات والالتباسات والتناقضات التي يمر بها العراق اليوم ، وهو في ذات الوقت اقرار بالمساواة بين جميع افراد وفئات وطبقات المجتمع العراقي التي يقرها القانون وتدعمها مؤسسات المجتمع المدني، وهو الطريق الصحيح لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، التي لا يمكن ان تقوم ما لم تحسم مشكلة العيش المشترك والولاء والانتماء الى وطن واحد وهوية واحدة تجمعها مشاعر الافراد والجماعات ووعيهم الاجتماعي الكامل بانهم يخضعون لهذه المؤسسات الطوعية بدون تمييز. وقد بينت التجارب السياسية على طول التاريخ في العراق وفي غيره، انه لا يمكن بناء مجتمع سليم وشخصية متوازنة إلا باقامة دولة القانون والمجتمع المدني، التي تحقق فكرة المواطنة ، وترسخ مقولة "ان الدين لله والوطن للجميع".
 
 
 
 
(*) ورقة مقدمة الى لجنة دعم الديمقراطية حول الأزمة العراقية وحركة الاحتجاجات الشعبية في المركز الثقافي البولوني لندن/ الجمعة 24 حزيران 2011