شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
ملاحظات حول أزمة المجتمع العراقي(*)
د. ابراهيم الحيدري
لم يشكل العراق بحدوده الحديثة وحدة سياسية منفصلة ومستقلة نسبيا الا في مطلع القرن العشرين. ولم يكن هناك "مجتمع عراقي" يمكن تشخيصه بكونه مجتمع متكامل ومستقر وله دولة مركزية بالمعنى الحديث للكلمة. حيث كان الافراد ينقسمون في فترة الحكم العثماني الاستبدادي الى رعايا وليس مواطنين والى افراد ينتسبون الى قبائل و طوائف ومناطق وحرف وينقسمون بدورهم الى بدو وريفيين وحضر. واذا كان هناك تناسق ظاهري بين مكونات الشعب العراقي، فهناك اختلافات عديدة مفعمة بالاهمية، فبالرغم من الادعاء بالاصل الواحد، فالعراق لم يكن الا وارث شعوب واجناس وقبائل وطوائف ولغات متنوعة تهيأت لها بعض المستلزمات الضرورية لقيام حكم وطني بدأت معالمه بالتطور التدريجي بدءا بتأسيس اولى الاحزاب والجمعيات الوطنية بعد الحرب العالمية الاولى.
العراق أمة تبحث عن دولة ودولة تبحث عن هوية !
لقد كان تشكيل الدولة العراقية العام 1921 نتاجاً مشوهاً لنمط الهيمنة الكولونيالية الذي كان استجابة للنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد آنذاك حيث تم تكوين جماعات تحالف تقليدي تكونت من شيوخ القبائل العربية والكردية وكبار الضباط السابقين في الجيش العثماني والاشراف وتجار المدن والوجهاء والافندية ،الذين شكلوا نخبة سياسية غير منسجمة في الواقع، حاولت تشكيل هوية وطنية للقيام ببناء العراق وتحديثه واضعاف الانقسامات القبلية والاثنية والطائفية.
ولم يكن العراق حتى ذلك التاريخ شعبا موحدا في " أمة " ويكون وحدة سياسية واحدة لتعدد وتنوع وخلاف واختلاف مكوناته، ولم يدفعهم وعيهم الاجتماعي والسياسي الى تشكيل "دولة" تستقطب مشاعرهم وانتماءاتهم وولاءاتهم وتوحيدهم في هوية وطنية واحدة. وهو ما ادى الى نمو روح محلية قوية في المدن وروح عشائرية قوية في الريف، ليحافظ كل من الحاكم والمحكوم على وضعه الاجتماعي وحماية نفسه.
كما لم يكن العراق مجتمعاً متكاملاً وذلك لوجود اثنيات واديان وطوائف ولغات متعددة كالعرب الذين يكونون اكثرية السكان ويتشكلون من عدد من الطوائف المتمايزة والمنغلقة على نفسها نسبياً وذلك بسبب السياسة التي اتبعتها الدولة العثمانية لدعمها مذهباً دون آخر، بالرغم من تمتعهم بسمات قومية ودينية مشتركة، وكذلك الاكراد والتركمان والاشوريين والأرمن والكلدان والصابئة واليهود وغيرهم.
اشكالية الدولة والمواطنة
لقد عانى العراق وما يزال من ضعف الدولة بالمفهوم الحديث، حيث لم يسبق ان جرب العراقيون تأسسيس دولة حديثة منذ سقوط بغداد على يد المغول واحتلال الدولة العثمانية للعراق. ولم يكن العراقيون يعرفون كيف يؤسسون دولة حديثة، كما ظهرت في أوربا في العصر الحديث، تقوم على مؤسسات المجتمع المدني واحترام حقوق الانسان والتمتع بحق التعبير الحر عن الذات واحترام الاخر المختلف، وفي ذات الوقت ، استماع الدولة الى مطاليبه ومحاولة تحقيقها.
والحقيقة، فأن الوعي الديني والاجتماعي ـ السياسي لم يدفعهم الى توحيد انفسهم وتشكيل وحدة سياسية تستقطب مشاعرهم وانتماءاتهم وولاءتهم وتوحدهم في هوية وطنية واحدة. كما لم يكن الدين او العروبة مقرران لتوحيدهم في هوية وطنية واحدة.
وكقاعدة عامة، كان سكان المحلة في المدن يعيشون في عالم خاص بهم، فلم يكن عندهم وعي وفهم حقيقي لمفهوم الوطن والدولة والهوية. وعندما حاول سكان المدن توليد السلطة وتأسيس دولة حديثة، انكشف ضعفهم وبانت هشاشة مقوماتهم الحضرية وتسربت العصبيات الاثنية والقبلية والطائفية والجهوية الى قمة السلطة وبدأت المنازعات العشائرية والانقلابات العسكرية. وهو ما يفسر والى حد بعيد اشكالية " الدولة" وعدم نضجها وتخلفها وضعفها، بحيث بقيت "العصبية القبلية" كنقيض للدولة الحديثة واستمرت كبنية مؤسسية سلبية وملتبسة. كما استمر دور العشيرة والعائلة والطائفة في الحياة السياسية والاقتصادية كضمانة لها في توفير الامن والحماية للفرد والجماعة بدل الدولة، التي ما زالت لم تستكمل شروط قيامها.
أما المواطنة فهو مفهوم ذو دلالات اجتماعية وسياسية مستمد من كلمة وطن بكل ما تحمله الكلمة من معاني الارتباط بالارض والتاريخ واللغة ومشاركة الفرد في السلطة. وبهذا المعنى تعني المواطنة منظومة من القيم ومشاعر الولاء والانتماء التي تكرس معنى المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وتحترم التعددية والتنوع وتلغي الفوارق الاثنية والدينية والطبقية والجنسية بين البشر. وبهذا فالمواطنة هي اطار فلسفي عام وشامل لكل الامم والشعوب، ولا يرتبط بالمعنى القانوني للجنسية فحسب، وانما يتجاوزه الى معنى أوسع واشمل هو الولاء الأقوى والانتماء الاشمل الى الارض- الوطن.
وبالرغم من ضعف الدولة الملكية واستبدادها والتناوب الديمقراطي الشكلي فيها، فقد تطورت روابط من المشاعر الوطنية المشتركة بين فئات وطبقات المجتمع العراقي، بالرغم مما انتابها من ضعف ووهن وعجز عن الاستمرار في النمو وبناء دولة القانون والمجتمع المدني، ونمو "طبقة وسطى" كان من الممكن ان تحمل على اكتافها مهمات قيام الدولة الوطنية الحديثة لولا ضمورها.
الردة الحضارية
شهدت العقود الثلاثة الاخيرة ردة حضارية عميقة الأثر والتأثير على المجتمع العراقي وبخاصة منذ استيلاء صدام حسين على السلطة وفرضه نظاماً دكتاتورياً ابوياً واستبدادياً قاد الى آتون حروب وكوارث وحصار ومآسٍ خطيرة تركت بصماتها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وكذلك على مستقبل العراق، كان من نتائجها انهيار البنية التحتية وتمزق النسيج الاجتماعي والعائلي والاخلاقي، بحيث أصبح العراق منقسماً على ذاته ومنشطراً الى هويات فرعية متعددة، ما لعب دوراً كبيراً في تغيير الثوابت الوطنية للشخصية العراقية وتشويه سماتها الأصيلة وهيأ لوقوع العراق تحت براثن قوات الغزو والاحتلال التي اجهزت على بقايا الدولة الضعيفة ومؤسساتها المفككة واشاعت الفوضى والدمار والخراب وساعدت على خروج العراقي المكسور من قمقمه ليقع في براثن المحاصصة الأثنية والقبلية والطائفية التي ساعدت على قيامها قوات الاحتلال ورسختها قوى المعارضة المفككة التى لم يتم نضجها والتي تكالبت على تقاسم السلطة والثروة والنفوذ.
ويمكننا ايجاز أهم مظاهر الأزمة الاجتماعية بما يلي:-
1- حكومات محاصصة ضعيفة لا ديمقراطية تتكالب على السلطة والثروة والنفوذ
2- ضعف الدولة ساعد على عدم استتباب الأمن والنظام ، وهو ما قوى العصبيات القبلية والطائفية والمناطقية ورسخها وحولها الى حكومة محاصصة طائفية.
3- شيوع ثقافة العنف والارهاب والاحتراب باشكاله المختلفة ومستوياته المعددة التي تغذيها النزعة الابوية-البطريكيةحالذكورية وقيم البداوة وروح التغالب.
4- ان ضعف الدولة والمحاصصة الطائفية والاحتلال اشاع الفساد والرشوة والسرقة والتحايل والمحسوبية والمنسوبية.
5- ما دامت الدولة ريعية وتعتمد على واردات النفط فقط، فسوف تستمر هيمنتها وتسلطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
6- لقد لعبت الدولة الريعية دورا هاما في ضمور الطبقة الوسطى التي نمت في منتصف القرن الماضي والتى كان من المفروض ان تحمل على اكتافها عملية التحديث والتقدم الاجتماعي.
7- تشير الاحصاءات الى ان البطالة وصلت الى حوالي 27% ما عدا البطالة المقنعة. كما وصلت نسبة الأمية الكتابية الى حوالي 26% ونسبة الامية الحضارية الى 80%.
8- تجاوز عدد الايتام والارامل والمقعدين والمشردين الى مليوني شخص
9- ان حوالي 40% من افراد الشعب يعانون من الامراض النفسية وخاصة امراض الاكتئاب والقلق.
10- ان تسيس الدين واستغلال الشعائر والطقوس الدينية سياسيا واقتصاديا سبب تعديا على حقوق المواطنيين وعلى الدين نفسه، ولذلك يقتضي فصل الدين عن الدولة .
11- بالرغم من هامش الحرية والديمقراطية ومشاركة الملايين في الانتخابات، فقد ازدادت مشاكل المرأة واستلبت حريتها وتعمق خضوعها واضطهادها، كما تفاقمت مشاكل الشباب والاطفال وارتفعت معدلات الجريمة والجنوح والتجاوز على حقوق الاخرين.
12- ان انحطاط الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي عمل على تزايد تدهور طرائق التربية والتعليم والثقافة وتخلف "الذهنية" العراقية واستلابها وانقسام الشخصية العراقية الى واحدة متسلطة واخرى عاجزة وخاضعة وتقول "انا شعليه".
وهكذا اعادت الردة الحضارية العراق الى ماقبل تأسيس الدولة العراقية .
ولذلك ينبغي على جميع العراقيين اعادة النظر بالخطاب الفكري والسلوك الاجتماعي والبدء بالشعور بالندم والاعتراف بالخطايا ثم الاعتذار للشعب العراقي، لأن الاعتراف بالخطأ وتجاوزه هو اعظم فضيلة من الممكن ان نقوم بها اليوم !
فبعد مرور اكثر من ثماني سنوات على سقوط النظام السابق ، ما يزال العراق يتخبط في تخلفه، بل اصبح اليوم اكثر تخلفا وعنفا وفوضى وانقساما على ذاته. فهو يدار اليوم من دولة ضعيفة وغيرمتحررة ومؤسسات غير متماسكة مع بعضها البعض، مع قوات جيش وشرطة وأمن غير مقتدرة ومخترقة من قبل ميليشيات طائفية متعددة، وبدون قانون مدني يحمي المواطنين فعلا ويدافع عن حقوق الانسان وحيث يعيش الناس في ظل ثقافة عنف وارهاب وتحت سلطة ميليشيات تكفيرية وعصابات اجرامية منظمة واحتراب أهلي وفساد ورشوة مستشرية في جميع مفاصل الدولة والمجتمع .
ان هذه الفوضى تكشف بوضوح بأن مهمة التحول الديمقراطي، التي يدعو اليها الكل، سوف لن تكون سهلة ، لان هذا الجيل، الذي يعيش ثقافة العنف والارهاب والفوضى والفساد ، سوف يولد بالضرورة جيلا اكثر انقساما وعنفا واستلابا. وهي بالتأكيد نتائج وآثار مرعبة ليس من السهل تصورها وتغييرها على الأمد القصير. ولهذا يصل الباحث الاجتماعي المتأمل الى ما يجري في العراق اليوم ، الى ان هناك خطر راديكالي داهم، تغذيه ايديولوجيات ومصالح وصراعات أثنية ودينية وقبلية وطائفية تكاد تمزق النسيج الاجتماعي والثقافي والاخلاقي.
ان الأزمة المركبة التي طالت افراد المجتمع والدولة والثقافة ، تدعونا اليوم الى الوقوف طويلا أمام مرآة محدبة للتعرف على ذاتنا ونقدها، وقفة تأمل عميقة مع الذات المنكسرة. فنحن اليوم في حاجة ماسة الى وعي اجتماعي جمعي شامل والى مزيد من المنطق والعقلانية لممارسة النقد والنقد الذاتي ومراجعة ما نحن فيه والبدء بلملمة الشمل ومداواة الجراح .
وتبدأ المراجعة بمصالحة وطنية حقيقية يسودها الوفاق والثقة المتبادلة والتسامح والتواصل والتفاهم والحوار العقلاني الرشيد وليس العاطفي والمصلحي المنفعل، وذلك لان افراد المجتمع في العراق اليوم هم جزء من اشكالية المجتمع العراقي المنقسم على ذاته. وان الاعتراف بهذه الحقيقة المرة يعني الاعتراف بالاخطاء والذنوب والخطايا والتجاوزات، التي شارك الجميع فيها بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهي خطوة من الممكن ان توفر فرصة ذهبية سانحة للتفكير والتأمل في تجارب الماضي والحاضر المريرة والتعلم من الاخطاء السابقة واستخلاص العبر والدروس منها .
والخطوة الاولى هي وضع فلسفة عقلانية للتربية والتعليم من اهدافها اعادة بناء الفرد والعائلة والثقافة وتقويم المجتمع العراقي المنقسم على ذاته وامتلاك ارادة قوية وايمان ثابت بالانسان العراقي ومساعدته في استرجاع وعيه الاجتماعي وثقته بنفسه ووحدته الوطنية من جديد وخلق اجيال جديدة بعيدة عن ثقافة العنف المستشرية اليوم. ومن الضروري وضع سياسات وبرامج عمل عقلانية للتخلص التدريجي من شتى اشكال الفساد المالي والاداري والاجتماعي والاقتصادي والرشوة والمحسوبية والمنسوبية واعادة اعمار البنية التحتية حيث ما زالت مشاكل الماء والكهرباء والنظام الصحي وتصريف المياه وغيرها مستعصية عن الحل.
ولكن، المشكلة هي انه اذا استطاع العراق اعادة بناء البنية التحتية في سنوات قليلة، فليس من السهل بناء الانسان المكسور والمحطم نفسيا واجتماعيا واخلاقيا، فقد يحتاج ذلك الى سنين طويلة، مثلما يحتاج الى اعادة هيبة الدولة واخضاع جميع التنظيمات والجماعات المسلحة لسلطتها المركزية واستعادة دور المدينة ووظيفتها الحضرية والتنويرية، فالمدينة هي وحدها القادرة على امتصاص "البداوة المقنعة" وتغالبها واذابة الفروقات الأثنية والدينية والقبلية والطائفية بينهم وصهرهم في هوية وطنية واحدة.
والخطوة الثانية الهامة التي علينا تحقيقها هي الاندماج السياسي في مشروع الدولة الوطنية على اساس الولاء الى دولة القانون والمجتمع المدني والانتماء الى وطن واحد وهوية وطنية واحدة، ولا يتم ذلك الا وفق مؤسسات مدنية لا شخصانية وفي ظل تعددية ديمقراطية وسياسية تجمع وتوحد جميع مكونات المجتمع العراقي. ومن الضروري تمكين جميع تلك المكونات الاجتماعية من تعريف نفسها ومصالحها وثقافتها الفرعية ضمن مشروع الدولة الوطنية. وبالمقابل على الدولة، كاطار سياسي، ان تكون مرجعا مستقلا عن السلطة السياسية، لان جوهر عمل الدولة هو ان تؤدي وظيفتها المستقلة باعتبارها ممثلة للمواطنين وليس لشخص الحاكم وان تكون مستقلة عن المجتمع الذي شكلها، وان تكون لها مرجعية شرعية مستقلة ومحايدة لها معاييرها وآلياتها الخاصة بها. وهو ما يمكنها من ان تكون متحررة من الولاءات والانتماءات للثقافات الفرعية. ولذلك علينا تعلم قيم الديمقراطية واخلاقها وممارستها عن طريق التواصل والتفاهم والحوار واحترام الرأي والرأي الآخر، فهو الطريق الوحيد لبناء جسور الثقة والتسامح والوئام من جديد .
ان اعادة انتاج الدولة الوطنية الديمقراطية، كنظام حكم سياسي ودولة قانون ومجتمع مدني وليس مجرد اقرارشكلي بالتعددية الديمقراطية، هو المدخل الرئيسي لحل كثير من الاشكالات والالتباسات والتناقضات التي يمر بها العراق اليوم ، وهو في ذات الوقت اقرار بالمساواة بين جميع افراد وفئات وطبقات المجتمع العراقي التي يقرها القانون وتدعمها مؤسسات المجتمع المدني، وهو الطريق الصحيح لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، التي لا يمكن ان تقوم ما لم تحسم مشكلة العيش المشترك والولاء والانتماء الى وطن واحد وهوية واحدة تجمعها مشاعر الافراد والجماعات ووعيهم الاجتماعي الكامل بانهم يخضعون لهذه المؤسسات الطوعية بدون تمييز. وقد بينت التجارب السياسية على طول التاريخ في العراق وفي غيره، انه لا يمكن بناء مجتمع سليم وشخصية متوازنة إلا باقامة دولة القانون والمجتمع المدني، التي تحقق فكرة المواطنة ، وترسخ مقولة "ان الدين لله والوطن للجميع".
(*) ورقة مقدمة الى لجنة دعم الديمقراطية حول الأزمة العراقية وحركة الاحتجاجات الشعبية في المركز الثقافي البولوني لندن/ الجمعة 24 حزيران 2011
No comments:
Post a Comment