Monday, 13 February 2012

تاثير افـــــــــلام التحريك في مخيلة الطفـــــــــــــــــــــل


شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
تاثير افـــــــــلام التحريك في مخيلة الطفـــــــــــــــــــــل
 
د. شذى العاملي
 
توجد عند الإنسان، نوعان من المشاعر، عندما يرى فيلماً ما أو يقرأ قصة ما، الأولى مشاعر حقيقية تتولد من مشاهدة قصص حقيقية، هذه المشاعر حقيقية لأنها تتولد عن موضوعاتها نماذج في الحياة ولدينا منها تجارب، وهي التجارب الحياتية المتأتية من العالم الحقيقي. الذي نعيشه سواء كانت اجتماعية أو نفسية وما إلى ذلك.
والثانية مشاعر تخلق لدينا وهي مشاعر اصطناعية يولدها الإنسان عندما يقرأ كتاباً أو يرى فيلماً خيالياً، إن الدافع وراء خلق هذه المشاعر هو حب الاستمتاع، ويتحدث عن هذا الرأي (سامويل تايمز) الذي يناقش فيه نظرية (رادفورد Kolin Radford) الذي يدعوها (مفارقة الخيال)، هي كيف يمكننا أن نتفاعل وتعاطف مع شخصيات وأحداث خيالية يفترض أننا لا نصدق وجودها؟.
إن المشاهد يغض النظر عن مستوى الأعمال الهابطة وما تحتويه من ثغرات في الحبكة كي ينسجم بشكل كامل مع القصة الممتعة، وتبرر هذه النظرية إقبال المخرجين بأفلام الاكشن فكرة قدرة البطل الايجابي (good guy) النجاة من إطلاق النار عليه في الأماكن العامة، أو أن تنفجر سيارة بتصويب النار الدقيق على خزان الوقود.
وتصف نظرية ,إرجاء الشك,(Suspension of Disbelief) العلاقة بين الناس والأعمال الخيالية. إذ يلاحظ انه إذا أرجأ المشاهدون حقيقة شكهم أثناء مشاهدة فيلم رغب وتقبلوا مشاهده وكأنها حقيقة فإنهم سيمتلكون سلسلة حقيقية من ردود الأفعال، فعلى سبيل المثال سيصرخ المشاهدين محذرين شخوص الأفلام إذا ما ظهروا على الشاشة وهم يتعرضون للخطر إلى الحد الذي يصرخون دون وعي منهم انتبه خلفك! أو يتصلون بالشرطة اذا ما شاهدوا جريمة قتل على الشاشة.
بينما يمتلك الطفل خيالا بسيطا لا يحتمل وضع التعقيدات والبحث عن تفسير كما هو في خيال الكبار، ذلك  ,إن الطفل لا يمتلك الخبرة المتراكمة من التجربة الحياتية التي يعود إليها في تفسيره لبعض الأحداث كما هو حال الكبار.
انه خيال مباشر ذو تفسير مباشر، وليس هو بخيال علمي ذي عمليات رياضية أو فيزياوية أو غيرها، انه خيال لا يثير في داخله إلا البهجة والمتعة ويتحمل ان تكون فيه تضمينات تربوية او تعليمية.
ويقول بياجيه " الواقع ان هناك كل ما يسوغ للاعتقاد في ان الطفل يكون عاجزا عن التفكير المنطقي قبل بلوغه الرابعة عشرة وان أية محاولة لاصطناع أي نمو مبكر في المفاهيم هو أمر غير طبيعي وقد يكون أمرا ضاراً.
وذلك أن الأطفال كالناس البدائيين والحيوانات. أنهم يحصلون على خبرة مباشرة بالحياة وليست من مسافة عقلية، وفي الوقت المناسب عليهم أن يفقدوا براءتهم الأصلية وأن يتخلوا عن الأشياء الطفولية.
ويبدر سؤال مهم وهو : ما الذي يقبل الأطفال على إحلاله محل الشعور الموحد الذي دأبوا على الاستمتاع به؟
ان الإجابة الوحيدة التي يقدمها المربون والحضارة الحديثة هي شعور ممزق وعالم مكون من قوى متنافرة، وعالم مكون من صور ذهنية منفصلة عن الحياة. ولكن أحسن وضع نستطيع استعارة شعور متكامل هو في الفن. اذ ليست من صعوبة على الإطلاق في العمل على تنمية القدرة التصورية العقلية لدى الطفل.
فقد وصف أفلاطون هدف التربية التخيلية بقوله " انه منح الفرد معرفة حسية ملموسة حول الانسجام والإيقاع الذين يدخلان في بناء الأجسام الحسية والنباتات واللذين يشكلان الأساس الشكلي لجميع الأعمال الفنية" ، ويقصد به مشاركة الطفل في جميع نشاطات حياته. فعن طريق مثل هذه التربية نجعل الطفل واقفاً على تلك الغريزة المسماة بغريزة العلاقة التي تمكن الطفل حتى قبل ان يتوافر له العقل ان يميز بين الجميل والقبيح والخير والشر ونمط السلوك السليم والسلوك الخاطئ وتمييز الشخص النبيل من الشخص الخاطئ.
وتعتبر مكانة الفن في النظام التعليمي هي مكانة بعيدة الشأن وقد يصل ما يزعمه هربرت ريد الى حد القول ان الفن بتصوره في إطار واسع يجب أن يكون الأساس الرئيس للتربية.
إذ لا توجد مادة سواه قادرة على منح الطفل شعوراً تتحد وتترابط فيه الصور الذهنية، والمفهوم والإحساس والفكر.
وتعطيه أيضا في الوقت نفسه معرفة غريزية بقوانين الكون كما تكسبه عادة أو سلوكا ينسجمان مع الطبيعة.
ان أفلام التحريك بمختلف أساليبها تستهوي الأطفال بشخصياتها المرسومة أو المصنعة من المطاط أو الخشب أو الأسلاك أو تلك المنتجة بواسطة الحاسوب وتعتبر قصص الحيوانات هي أقرب القصص إلى خيال الطفل وهي ذات القصص التي كانت تسرد له قبل أن يغط في نوم هادئ وعميق سارحاً مع أحداث هذه القصص الخيالية التي أبطالها من الأرانب وأبناء آوى والدببة .. الخ.
إن الخيال الذي تتضمنه قصص أفلام الأطفال . ومنها أفلام التحريك يجب ان تكون ممتعة في مشاهدتها وان تسودها الأغاني المحببة لأذن الطفل حين يسمعها.
والكثير من الشخصيات النمطية التي تحملها قصص الأطفال الخيالية مرسومة في ذهن الأطفال وسرعان ما تثار مشاعرهم تجاهها حين مشاهدتها، فالأسد ملك الغابة العادل، والثعلب هو الشخصية الماكرة، والأرانب هي الشخصيات الوديعة. وقد اكتسبت هذه الشخصيات نجومية واسعة لا تقل شهرتها عن شهرة الشخصيات الآدمية نجوم السينما المشاهير.
ان شخصيات كارتونية مثل (توم وجيري وميكي ماوس وباباي والس) وغيرها، استطاعوا ان يضعوا بصمات الشهرة حالهم حال أورسون ويلز ومارلون براندو .
ومن هذه الشخصيات التي اشتهرت في مجال العاب الفيديو المنزلية ومن ثم صنعت كدمى وانتشرت في الأسواق حال عرض الفيلم في دور السينما والتلفزيون تجد هذه الشخصيات دمى بمختلف الأشكال يلهو بها الصغار.
تتميز الشخصيات المرسومة أو المصنعة يدوياً أو تلك المنتجة بواسطة الكومبيوتر، بجاذبيتها واللطافة التي توفرها مما جعل هذا الفن اقرب إلى عقل الطفل وإدراكه.
ويتساءل البعض عن سبب شغف الأطفال بالحيوان وسبب تقبله أكثر من باقي الموجودات في أفلام التحريك وأفلام الخيال الواقعي إلى غير ذلك؟
وسبب ذلك, ان المخلوق من الغرابة بالنسبة للطفل يشكل عالماً غير مفهوم، لا يمكنه عقله الصغير من تفسير كنهه، إذ إن هذا الحيوان الذي يقبل على الطفل كالقطة او الكلب ويداعبه دون الخوض في حوار معه ويلاحقه ويلعب معه بصور عديدة قد جعل وجوده محببا لدى نفوس الأطفال وتلك الحقيقة يستشعرها أكثر مدجني  الحيوانات الذين يحتفظون بالقطط والكلاب ويعتنون بها في منازلهم ويكثر ذلك في البلدان الأوربية حيث يمتهنون تربية الحيوانات بمختلف أنواعها ومنهم من يهوى جمعها في منزله وتربيتها بأعداد كبيرة.
كل ذلك يساعد على ان ينشأ الطفل في جو من الألفة مع الحيوان وعدم الشعور بالغربة لدى رؤيته حيث اعتاد مشاهدته واللعب معه بل وحتى إطعامه والخروج معه في نزهة.
ويطالب المختصين بتقديم صورة حقيقية واقعية للشخصية الحيوانية المقدمة في الفيلم لئلا يشكل بتراً لعملية نقل المعرفة. فما عرف عن الكلب من أمانه وإخلاص وصداقة، وما عرف عن القط من دماثة وخفة، وما عرف عن القرد بالتقليد والتمثيل والاستئناس، وما عرف عن الثعلب من ذكاء وخبث، يجب عدم تغييرها كلها في عملية العرض والتقديم وإلا أدى ذلك إلى إرباك في عملية بناء المعرفة لدى الطفل. وخاصة اذا ما اشرنا إلى ما أظهرته الدراسات النفسية والعلمية والتربوية من سهولة تقمص الأطفال لشخصية الحيوان أكثر من الإنسان وان نسبة عالية من القصص يميل إليها الأطفال والصغار منهم بخاصة تلك التي يلعب فيها الحيوان دور البطولة.
 
 
 
 
 
 
 


ادب الاطفــــــــــــــــــــــال


  
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
1- أدب الأطفال
د. شذى العاملي
إن ثقافة الإنسان أي كان هي وليدة اتصاله بالبيئة والمجتمع المحيط به، بما في ذلك الأطفال. وتتعلق ثقافة الطفل بهذا الاتصال، بل هي وليدة هذا الاتصال الذي بدونه يتحول الإنسان إلى كائن بيولوجي ليس إلا. ويمكننا أن نطلق على جميع المؤثرات التي يتعرض لها الطفل جراء هذا الاتصال اسم  ثقافة ويتعرض الأطفال لهذه المؤثرات بعد الولادة مباشرة وهم يتفاعلون معها بدرجات مختلفة أيضا.
ويُعد أدب الأطفال عودة للكبار ببصرهم الى عوالم الطفولة بنظرة ثاقبة يغذيها خيال مفعم بالحيوية، ذلك إن الكبار يجوبون الرياض الفسيحة لفرح الطفل ويتوغلون في أدغال أحزانه ليخرجوا برؤية مغلفة بالحنين الطفولي. فكلما تسحر أقاصيص الأطفال المليئة بعوالم الطفولة الأطفال
فهي تمتلك صداها في نفوس الكبار ايضا. ولا يختلف أدب الطفل عن أدب الراشدين من ناحية البناء النصي سواء كان قصة شعرا او مسرحاً.
وهو يقترب معه أيضا في أهدافه التي تتلخص في تقديم المتعة والتسلية هذا فضلا عن القيم والقضايا التي يتبناها الكتاب، كقضية حرية الإنسان،
وعلاقته بأخيه الإنسان والمشكلات التي افرزها وجود هذا الإنسان مع الطبيعة سواء من حيث الصراع معها او المحافظة عليها والسعي لإحيائها.
غير ان الطفل لا يتعامل مع التاريخ والتراث الشعبي والأسطورة والمستقبل او الحيوان والأشياء كما هي بل كما تبدو او تتراءى في وجدانه النامي، وعلى هذا لا يتعرف الطفل او لا يخاطب بالحقيقة التاريخية والواقعية في حوادثها او إحداثياتها في وقائعها او سياقها الواقعي، بل في إطار استعارة شاملة بهذا النسق، يكون سياقها الواقعي بمنتهى التجريد في رحابة تخيل يبني واقعه الخاص او الجديد.([1])
المقصود بذلك ان الأدب يستند في نظريته الى الخيال حيث يعتبر جوهر نسق تنضيد الكلمات في متن قصة او رواية، اواي عمل أدبي ما، هو المحاكاة، او تضافر الواقعي مع تخيله، ويشترط ان يكون هذا التضافر في أدب الأطفال ان تجعل من هذا الأدب مجال استعارة حاكته خيوط إدراك الطفل (خياله ووعيه) ولغته (وسيلة للخيال والوعي) والمعول في ذلك هو ان الاستعارة بديل للواقع،حيث تصير معه الى واقع جديد سهل المنال تتقبله عين الطفل وإحساسه ونموه المعرفي والنفسي والاتصالي.([2])
لقد قطعت التربية الحديثة أشواطا كبيرة، ولم تعد المعرفة المعاصرة مجرد حشو لعقول الأطفال بالمعلومات حيث حدث ذلك في الكتب المدرسية في المقام الأول. ويفضل ان تكون دراما الطفل واضحة وبسيطة مترجمة بأفعال وحركات وان لا تشتت فكر الطفل في متابعة التفاصيل وتعميه عن
الخط العام. وان تكون الشخصيات قليلة قدر الإمكان يستطيع الطفل معايشتها وفهمها والتعرف عليها. ان دراما الطفل تحتوي مبادئ
المعرفة وتوجيهات غير مباشرة تدفع الطفل الى اكتشاف نفسه واكتشاف الحقائق بنفسه.([3])
فمن شان التركيز على وصف الأمكنة الجذابة ان تذكي الحماس المعرفي لدى الأطفال، وتحفز خيالهم على طرح أسئلة جديدة وكم امن المربون قديماً بان الأطفال يتوقون الى حقائق ملموسة، كما هو حال الاب في (عائلة روبنسون السويسرية) حيث الاب يضخ المعلومات في رؤوس صغاره، تلك المعلومات التي لا نهاية لها. ان شخصية مثل هذه لا يمكن ان يحتملها الجيل الصاعد ولو لفترة خمس دقائق، أما الأطفال فهم يتطلعون
الى الإجابة عن أسئلة تراود مخيلتهم الصغيرة الكبيرة، غير آبهين بالمعلومات لذاتها ويجب ان تكون الإجابة عن مثل هذه الأسئلة شافية ومبسطة أما إذا اتخموا بالمعلومات بما يزيد عن طاقتهم فستحبط هممهم ويعزفون عن التعلم. فقد يكون من الصعب في بعض الأحيان إقناع الطفل
بالا يصدق حقيقة الصورة الذهنية الحية، فهو يستجيب لموقف مثير حقيقي، فيبدي هلعه من صورته الذهنية المتعلقة باحد الحيوانات
المتوحشة، كما يقنع لعدة ساعات بمصاحبة رفقاء لعبة الخياليين، ويصمم بحزم على واقعية معظم أخيلته الوهمية([4]).
لقد ثبت من الدراسات إن الطفل يكون في أقصى درجات الانتباه وهو يشاهد الأفلام الخرافية الخيالية، ولذلك فان هذه المعاني تتركز في نفسه
ولا تخرج منها أبدا ([5]).
فقد حاول كتاب افلام الأطفال استخدام الخيال للابتعاد بأفلامهم عن واقع الحياة، ووضع الخيال بدلاً منها، فضلا عن ترسيخ القيم النبيلة والمبادئ السامية كانتصار عنصر الخير على الشر وإنقاذ البطل في نهاية الامر. وفي مرحلة ما بعد الطفولة ، يطرح الطفل السؤال الآتي: أي نوع من الناس انا؟ ولا يعني ذلك ان الطفل بدا بفهم شخصيته الكاملة.. الا ان مراقبة دراسة نمو الطفل من خلال العملية الدرامية وعلى مختلف
انواعها ، دراما اللعب، كتابة المسرحية، كتابة التمثيل، تقول (ميرجوري ل.هورد) " ان اغلب هذه المادة استخرجها من اعمال مرحلة مدارس
الطفولة (children School Junior) وهي بمثابة المرحلة التي تتفجر فيها قوة الدراما والتي تكون وسائل مهمة ومفيدة لصيانة تعبير الطفل
عن احساسه، مع انه من الضروري دراسة الصيغة التي تاخذ شكل دراما الطفل في فترة ما قبل المدرسة، والتي ستستمر الى فترة المراهقة " ([6]).
وقد اكد (هربرت ريد) في كتابه التعليم من خلال الفن (Education Through Art) ان هدف تعليم الفن، هو ان يقدم لنا اشخاصاً جيدين، ومجتمعاً جيداً، افضل من الفن ذاته.. وأعتقد ان المبدأ نفسه يجب ان يطبق على الدراما نفسها.. حيث تعتبر العواطف العفوية للطفل اكثر أهمية من التكنيك الكامل.
تعتبر مراقبة الطفل هي أفضل وسيلة لفهم الطفل من خلال معاينته في اثناء اللعب وهي وسيلة مقبولة بكافة استنتاجاتها، لدى أي شخص يعدّ الأطفال وهذا ينسجم مع ما دعت إليه د. سوزان اسحق(القدرة التعليمية).
فنحن إذ نراقب الأطفال وهم يلعبون متخذين من ادوارهم فرصا للتعبير عن مكنوناتهم بطريقة خيالية (فنطازية) فهم يقلدون الكبار من الناس الذين
حولهم، ويعكسون الطريقة البدائية لسلوكهم، فهو حب المشاكسة، والاعتداد بالنفس (الغطرسة) والمسالة اعمق من ذلك! ان اللعب يقدم لنا
نتائج اجتماعية وفيزيقية انه تطوير لحركة جسد الطفل الذي يحتاج الى حركة اجساد الأطفال الاخرين
لتحقيق سعادته والامر اعمق من ذلك ايضا.. انه تعبير عن سيكولوجية الذات والصراعات الخاصة والادراك المحسوس والاسباب الاولية لكل ذلك.
وهو في هذه الحالة يبدو وقد قدر على التخلص منهم ولكن يسبق ان يدركهم من خلال سياقه الداخلي وقدرته في ذات الوقت ان يضعهم في سياقه الخارجي. ذلك ان الطفل الاعتيادي ليس مجرد شيء منهمك في الخيال لا يدرك تاثير العالم الخارجي (المحيط). وتأتي الدراما هنا لتفعل فعلها الذي يعتبر احد الوسائل التي يتعلم من خلالها الطفل الانفصال عن الآخرين تدريجياً فهي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها. والدراما لدى الطفل
وسيلة يستطيع الطفل بواسطتها المغامرة داخل الشخصيات والنفاذ الى حياة الآخرين وهي وسيلة ايضا لسحب هذه الشخصيات الى الخلف
كرموز  داخل نفسه.
وعندما يدخل الطفل المدرسة فيصبح بمقدوره تمثيل مسرحية مكتوبة من شخص اخر، وتبدو مفروضة عليه من قبل معلمه تسمى هذه الفترة، فترة فطام عن الخيال (الفنطازيا). ذلك لان الطفل يكون قد تعلم أن يفصل ذاته عن عالمه الخارجي المحيط حيث سيكون متأكدا من هويته
(الشخصية) ويدرك ان الأطفال الآخرين يقومون بأعمال أفضل منه.
إذ يبدأ بنقد ذاته، يضاف الى ذلك ان هذا التحول يكون بطيئاً ومتوازناً في ذات الوقت، ويرافقه رسوخ في الذكاء ورسوخ في العواطف؛ تسمح له
بالانفصال أي الاستقلال. هنا علينا ان نفطمه عن قصص الجن والخيال (الفنطازيا) والسماح له بالاستمرار في مرحلة اللعب الدرامي الكامل
حيث يستطيع من خلالها الوصول الى الأشياء الصلبة لعالمه الخارجي دون ان نشعره اننا نحاول ان نحرمه من خياله الفنطازي وقبل ان يكتشف ان ذلك الخيال غير مجد له، وان يركز نشاطه بشيء مفيد، سيكون مفيداً جداً في مرحلة التحول هذه من المعروف ان المراهق، نادرا ما يواجه النهاي المحزنة او الحقيقية المطلقة عكس الطفل في مرحلة الروضة الذي يبدي استعداده لتقبلها بينما احتياجات الخيال يجب ان تستانف بشكل أخر فيجب ان يخلق غزاة جدد للواقعية. وفي عمر الثامنة يبدو الطفل أكثر حساسية وأكثر هدوءاً الا ان صورة الحياة ما زالت غامضة لديه، وما تزال العواطف داخله مكبوتة قوية بانتظار اشارة المراهقة لتحريرها بذات القوة.([7])
ويعتبر كبت السنين السابقة حافزاً للتعلم ذلك انه سبب بقائه في عواطف حياته، فهو السبب الذي يعكس عدداً من المظاهر للناس والأشياء.
وتعتبر القصص العظيمة للأدب والتاريخ، قصص الحب والكراهية والابطال والمغامرات والاكتشافات العظيمة، وتوسع جغرافية الأرض واختلافها، وأصل الحياة الاجتماعية، والسلوك البشري. كل ذلك يواجه بفضول الا انه اقل من المحورية الأنانية، حيث بدأت مرحلة تحقيق الأنا بالتلاشي الا ان البقايا الكثيرة منها ما تزال باقية، ذلك ان الطفل هنا يسعى لان يتقمص ادوار الشخصيات التي يجدها في الكتب والتي تكون ذات عاطفة خيالية. وفي هذه المرحلة بين الثامنة والتاسعة سيستعد الأطفال لاكتشاف عالم الكتب ولكنهم  يظلون بحاجة إلى عناء تقبل المادة.
 
 
 

([1])  عبد الله ابو هيف ، التنمية الثقافية للطفل العربي، القصة السورية، ص 4.
([2]) عبد الله ابو هيف، التنمية الثقافية للطفل العربي، مصدر سابق، ص 2.
([3]) جمال ابو ريه، الدراما للاطفال في الراديو والتلفزيون، دراسات وبحوث اذاعية، (اتحاد اذاعات الدول العربية ، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1967)، ص 37، 38.
([4]) هربرت ريد، تربية الذوق الفني، تر: يوسف ميخائيل، ( 1975) ، ص128.
([5]) ريان سليم بدير، عمار سالم الخزرجي، الطفل مع الاعلام والتلفزيون، ( دار الهادي، بيروت، 2007) ، ص149.
([6]) مير جوري ل . هورد، الطفل والإحساس المبكر بالدراما، تر: خضير عباس اللامي، ص 155.
([7]) مير جوري ل. هورد، الطفل والاحساس المبكر بالدراما ، ص 158.


Wednesday, 8 February 2012

الهوية الأجتماعية العراقيــــــــــــــــــــة ... إلى أيــــــــــن ؟



شبكة الصداقة العراقية في المانيا
الهوية الأجتماعية العراقية ... إلى أين ؟
د. فارس كمال نظمي
في آذار 1932م، كتب الملك فيصل الأول (1885–1933)م في مذكرة سرية له: ((أقول وقلبي ملآن أسى، أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، نحن نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه، وندربه، ونعلـّمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل)).*
واليوم وبعد نحو سبعين عاماً، تستعيد هذه الكلمات وهجها من جديد، بعد أن كانت قد خبت إلى حد كبير وصارت تاريخاً مكتوباً فحسب، بفعل النقلات النوعية المستنيرة التي خطاها بناة الدولة العراقية الحديثة في بداياتها، بسعيهم البصير لإرساء قيم التمدن والتعليم والعلمانية والانفتاح الثقافي، بما أسهم تدريجياً بتشكيل هوية عراقية مركزية تجمعت حولها وفيها كل الهويات الفرعية المبعثرة التي أفرزها الاستبداد العثماني وما قبله. لكن هذا التطور الحضاري النوعي لم ترافقه نقلات مماثلة لبناء مؤسسات مجتمعية قوية تحتضن هذه الهوية الفتية وتصونها عقلانياً، لأسباب تتعلق بهيمنة المملكة البيروقراطية الناشئة آنذاك من معطف الاحتلال البريطاني، على المجتمع المحروم والمهَمّـش والمغترب عنها. فكان أن تحَجّر التغير الاجتماعي البـنـّاء بمرور الوقت، وأصبحت (ضروراته) وكأنها لا تستجيب إلا لفظاظة الجنرالات (الوطنيين) الذين لم يواجهوا مجتمعاً يلجم أوهامهم. فركبوا دباباتهم وداسوا مشاعر الوعي الجمعي للعراقيين في أهم مراحل تفتحها، مستبدلين الهوية الوطنية الموحدة بهويات فرعية سياسية متصارعة، ممهدين لوصول الفاشية بـ(قطار أمريكي). فكانت بداية حرب هذا المجتمع ضد نفسه!
واليوم أيضاً، وبعد عامين ونصف من تلك اللحظة الفريدة في نيسان 2003م، التي انتقلت خلالها المنظومة النفسية للفرد العراقي من معايشة طويلة للذل المغموس بالاستبداد والصنمية، إلى معايشة غرائبية للذل الملقح بـ(الحرية) و(الديمقراطية)، نود أن نناقش بعض المستجدات السيكولوجية في الشخصية العراقية، وطبيعة المسارات المحتملة لتطور بنية وعيها الجمعي. ولأن الحدث السيكولوجي الاجتماعي لا ينمو بفعل آلياته الداخلية فحسب، ذلك إنه لا يحدث في فراغ، بل في عالم يمطر عقول البشر في كل لحظة بكل أصناف المنبهات، لذا سنطرح تصوراتنا على أساس تلاقح البنى والمنظومات، وهضمها لبعضها البعض، في مرجل بنائي ووظيفي تنمو فيه الشخصية الاجتماعية اتساقاً وتماسكاً، أو تفككاً وتصدعاً!
ٌهل هناك هوية اجتماعية عراقية؟!
يشكل مفهوم (الهوية الاجتماعية)
Social Identity عنصراً ديناميكياً ضمن بنية أوسع هي (مفهوم الفرد عن ذاته)، والذي يتضمن بدوره عنصراً آخر هو مفهوم (الهوية الفردية) محدَّداً بإدراك الفرد لخصائصه الشخصية المميزة التي تجعل منه كائناً متفرداً لا يشبه غيره. فالهوية الاجتماعية هي (وعي) الفرد بانتمائه إلى جماعة تاريخية توفر له إطاراً وظيفياً لإشباع حاجته إلى الأمن النفسي، وإطاراً مرجعياً لصياغة منظومة قيمية–ثقافية تنظم إدراكاته للعالم وتفاعلاته معه وتقييماته له، وإطاراً نزوعياً للسعي نحو إنجاز أهداف جمعية مشتركة، دون أن يتعارض ذلك مع أهدافه الفردية الخاصة. فالهوية الاجتماعية بهذا المعنى هي نتاج للتجارب المشتركة ونمط الحياة المشتركة بين أفراد تلك الجماعة التاريخية.
ويمكن القول أن هذه التوصيفات تنطبق بنسب متفاوتة على أفراد الجماعة البشرية القاطنة ضمن الحدود الجغرافية لدولة تسمى (العراق)، إذ ما يزال هناك اتفاق عام على وجود آثار عراقية، وفولكلور عراقي، وفن عراقي، وأدب عراقي، وتراث سياسي عراقي، وبحث علمي عراقي، وميثولوجيا عراقية، ولهجات عراقية، ومطبخ عراقي، وأزياء عراقية ، ومزاج عراقي، وشخصية عراقية، وروح عراقية؛ مما يعني إمكانية الاعتقاد في اللحظة السوسيولوجية الراهنة بوجود جماعة تاريخية تدعى (شعب العراق) يمكن اختزال وظيفتها النفسية إلى مفهوم يدعى (الهوية الاجتماعية العراقية)، دون إنكار المسارات الفرعية والمتشعبة التي بات يُزَجّ هذا المفهوم، سواءاً بتأثير الحقبة الشمولية السابقة، أو تحت ضغط فوضى الحراك السياسي الحالي.
ومن هنا يطل السؤال الذي بات يشغل بال الجميع: ((ما مستقبل هذه الهوية في ضوء تجليات الانقسام والتعصب والعنف الأهلي الذي يشهده حاضرها؟)).
إن التعامل المثمر مع هذا السؤال يتطلب أولاً فض بعض التشابكات المفاهيمية التي أفرزها الواقع العراقي مؤخراً، والانتهاء من ضبابيتها، مستثنين من تحليلنا التأثيرات التي بصمتها العولمة الثقافية والاقتصادية والسياسية، في الشخصية الفردية والاجتماعية لعموم البشر، ومنهم الإنسان العراقي.
أرنب السياسة أم سلحفاة السيكولوجيا؟!
لنميز بدءاً أن الهوية الاجتماعية للفرد لا تماثل على الدوام هوية الإطار السياسي للبقعة الجغرافية التي يحيا فيها. فتوزع العرب مثلاً في بلدان عديدة ذات أطر سياسية متباينة لم يمنع من ديمومة مفهوم الهوية القومية لديهم، بوصفه أحد أشكال الهوية الاجتماعية. وتبعثر الكورد ضمن أقاليم متجاورة، يتبع كل منها سياسياً دولة قومية شوفينية، لم يوقف أبداً تمسكهم النفسي الصلب بهوية كوردية تاريخية لهم. وبصياغة أكثر تحديداً، إن المنظومة النفسية الجمعية لأي جماعة، تتشكل ضمن شوط زمني طويل، ولا تطرأ عليها تغيرات جوهرية إلا ضمن شوط زمني طويل أيضاً؛ بمعنى أن الحدث السياسي – بسبب سرعته– قد يفرض شروطاً تاريخية معينة على السلوك الظاهري لجماعة ما، دون أن يعني ذلك قدرته بالضرورة على إحداث تغييرات مماثلة لمنطق تلك الشروط في المنظومة النفسية الداخلية لتلك الجماعة. فالحدث السياسي (خصوصاً عندما يكون مفروضاً من الخارج) يتحرك ويموضع نفسه في الزمان أسرع بكثير مما يفعله الحدث السيكولوجي المنبثق عنه لدى الفرد والجماعة، بالرغم من الصلة الجدلية بين الحدثين. وهذا يفسر سبب قدرة شعوب كثيرة على الاحتفاظ بهويتها الوطنية والثقافية على مدى مئات السنين من حكم الجيوش الكولونيالية الغازية لها.
وقد أفرز الاحتلال الأمريكي للعراق 2003م ظاهرة مشابهة، إذ خلق بتكنيكاته السياسية والاقتصادية والعسكرية العنيفة والمبيّـتة، مناخات مناسبة لاستيراد التطرف الديني الدموي من الخارج، ولعزل التيارات العلمانية (اليسارية والليبرالية) التي نشأت من رحم الهوية العراقية الموحدة، في مقابل شحذ مشاعر التعصب الديني والطائفي والعرقي بين تنظيمات قديمة ومستجدة دافعاً إياها إلى دوامة الخطف والتعذيب والاغتيالات المتبادلة في بعض الحالات، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن شرخاً مركزياً مماثلاً قد حدث في مفهوم الهوية الاجتماعية لهذا المجتمع، مع عدم جواز إنكار حدوث شروخ جزئية هنا أو هناك. فإذا كان العراقيون يساقون اليوم قسراً إلى مصير انقسامي ومتشرذم على الصعيد الجيوبوليتيكي، وكـأن (الديمقراطية) التي يجري سلقها في المطبخ السياسي الرسمي تعني حق الجسد في بيع أعضائه، فإن المناخ النفسي لفكرة (العراقية) بكل أبعادها الواقعية والرومانسية سيظل فاعلاً ما دامت سلحفاة السيكولوجيا بتريثها وطول أناتها قادرة على مجاراة أرنب السياسة بتسرعه ورعونته!
تعددية أم نكوص؟!
لنمارس شيئاً من التشاؤم المشروع، ونتكهن بالمشهد العراقي القادم: أقاليم تباشر (دستورياً) بممارسة هويتها القومية العرقية والطائفية الدينية، ضمن (دولة) اسمها العراق لم يعد لها وجود إلا على الورق، ينغمس زعماؤها (ممن وجد بعضهم نفسه زعيماً فجأة) في ممارسة (ديمقراطية) تقسيم الثروات والسلطات والصلاحيات والمسميات واستعادة (الحقوق). إن التحليل النفسي لموضوعة الانكفاء على الذات عرقياً أو طائفياً، يحيلنا إلى آلية (النكوص) بوصفها هرولة لاشعورية إلى مرحلة زمنية سابقة أقل نضجاً ووعياً، يضطر إليها الفرد أو الجماعة، هروباً وتجنباً لمرحلة آنية أكثر تعقيداً ومعاناة. فالتبصر العقلاني بشؤون الصراع البشري منذ بداياته، ليس له إلا أن يقرّ بهدوء: ((إن خصوصياتي أياً كان نوعها ليست مقدسة، ولا يمكن أن تكتسب درجة الأفضلية، ما دام هناك الآخر المختلف الذي له خصوصياته أيضاً!)). وبالعكس، فإن التوظيف اليومي المقصود أو العفوي للفظتي (الديمقراطية) و(التعددية) لتأجيج مشاعر الولع بفكرة (العرق) أو (الطائفة الدينية) على حساب تصدع الهوية الوطنية الجمعية، إنما يؤشر تدهوراً لا عقلانياً مؤسفاً في الصحة العقلية لأي مجتمع، خصوصاً لدى نخبه وقياداته المؤثرة في نمو شخصيته الاجتماعية، مع التوكيد على أن الهوية الوطنية نفسها ما هي إلا تطور ابتدائي نحو بلوغ الوعي بالهوية البشرية الواحدة. ومما يدعم هذه الرؤية، أن نتائج دراسات علم النفس الاجتماعي عبر الحضارات، اتفقت خلال الخمسين عاماً الفائتة، على أن تماسك الهوية الاجتماعية لأعضاء أي جماعة تاريخية متعددة الأعراق والأديان والطوائف، غالباً ما يرافقه تنامي اهتمامهم بالمصلحة العامة (أي سيادة روح المواطنة)، وتحسن في صحتهم النفسية بكل أبعادها العقلية والانفعالية والسلوكية، وتطويرهم لمعانٍ متقدمة وبناءة لوجودهم، وازدهار شعورهم بالرضى عن حياتهم وبالفاعلية الذاتية وبالقدرة على التأثير في مساراتهم الاجتماعية، وانخفاض سلوكيات العنف ومشاعر التعصب والشك المَرَضي والأفكار النمطية السلبية نحو بعضهم، والعكس بالعكس!
فإذا ما اتفقنا أن الحياة الاجتماعية هادفة وغرضية ومنتجة لقوانينها الجدلية، وليست ركاماً عشوائياً تشكله الأقدار، يصبح عندها الخطاب العرقي أو الطائفي (أياً كان مصدره وأسبابه ومبرراته ومسمياته وأقنعته) في بلد متمدن ومثقف وعلماني كالعراق، خياراً لا قوانيني يستهدف في طياته إغراق الإنسان باهتمامات بائسة تديم توتره النفسي وحرمانه الاجتماعي وجهله بحقوقه الطبيعية، وتحرمه من التأمل البهيج بمغزى الوجود وجمالياته، عبر إحيائه لسلطة خرافاتٍ وظيفتها اختزال الجوهر الإصلاحي للدين والهدف الانعتاقي للقومية، إلى بضعة مكاسب شخصية يحرزها رموز التكتل الطائفي هذا أو الحزب القومي ذاك.
منطق علمي أم منطق نفعي؟!
إن تشريحنا السيكولوجي هذا لأزمة الهوية الاجتماعية في العراق، يقف بالضد من أي حجج أو تسويغات أو مبررات (واقعية) يفترض أحقيتها المنطق السياسي الرسمي لنخب السلطة الجديدة. فمنطقهم السياسي يردد مزهواً على مدار الساعة، وكأنه اكتشف قارة جديدة: ((العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب))، والمنطق السيكولوجي يحذر قائلاً: ((هذا غسل للأدمغة ودفع باتجاه الصد عن الهوية الاجتماعية الموحدة))، لأن التوكيد الوسواسي اليومي على بديهية أن الدار مبنية من طابوق وسمنت وحديد، سيختزل الدار في النهاية إلى بضعة مواد إنشائية فحسب، متناسياً أن الدار كيان معماري وجمالي واجتماعي أنتجه العقل والحضارة. ومنطقهم السياسي يسميها ((تعددية إثنية ودينية ومذهبية، تستدعي محاصصة مناصبية ولو مرحلياً))، بينما المنطق السيكولوجي يسميها ((تشطير لا عقلاني للشخصية الاجتماعية في العراق، يستدعي بالضرورة تشطير الهوية والأرض مرحلياً ومستقبلياً)). ومنطقهم السياسي يحاجج: ((الأقاليم شكل متقدم من أنماط الحكم، يحفظ للأطراف حقوقها، ويقيد استبداد المركز))، فيما يقرأ المنطق السيكولوجي الدوافع الكامنة وراء هذه العبارة بشكل مختلف: ((ما دام المركز غدا ضعيفاً، وطلاب الغنائم كثيرون، فلنوزع السلطة ما بين الأقاليم، ويكون كل واحد منا على رأس إقليم)).
إن هذا الافتراق الحاد بين المنطقين يعني أن هناك حجْراً سياسياً يُمارَس على التطور النفسي الاجتماعي لشخصية الفرد العراقي؛ بمعنى أن الإملاءات السياسية الحالية على هذا المجتمع لا تنبع من فهم موضوعي لسيكولوجية هويته الاجتماعية المنجزة. وهذا يعني أن ثقوباً سوداً تاريخية بانتظار هذا الكيان السياسي–النفسي المسمى (العراق)، ستجعله يسبت لحقبة إضافية خارج الزمن، مقتاتاً على نهش أعضائه، حتى ينتهي المشروع الكوني الأمريكي من أغراضه ويسحب خنجره من جراح هويتنا ونفط آبارنا، ويسمح لدورتنا الاجتماعية المعطلة منذ أكثر من أربعة عقود، بالتدفق من جديد!
 
 


 
 









الفقر في الوطن غربة والغني في الغربة وطن"

 
شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
 
الفقر في الوطن غربة والغني في الغربة وطن"
علي أبن أبي طالب (ع)
د. عامر صالح

يرد استخدام كلمة الغربة والاغتراب في دلالتين مختلفتين, فالغربة في اللغة تعني بعد وتنحى, وغرب الشيء أي لم يعد مألوفا, وأغترب الشخص أي نزح عن وطنه فهو مغترب, والغربة عادة موجه إلى الخارج اغلب الأحيان, أي أن الفرد يترك بلده مضطرا أو طواعية نتيجة إحساسه بالضعف أو الخوف أو الضياع وعدم الأمان من تقلبات زمن يعيشه ويحس به. أما الاغتراب فهو الإحساس بالغربة داخل الوطن وهو أقسى أنواع المشاعر الإنسانية وتتولد كنتيجة طبيعية للظروف المحيطة بالشخص, كالظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها. وفي معجم النفس والطب النفسي يوصف الاغتراب بأنه انهيار في العلاقات الاجتماعية الشخصية أو أنه الفجوة بين الفرد وذاته والانفصال بينه وبين الآخرين وما يتضمنه ذلك من غربة للفرد وانفصال عن مشاعره الخاصة التي تستبعد من الوعي. وكثير من الباحثين استخدم هذا المصطلح بمعنى: انعدام السلطة والانحلال, الانفصام عن الذات, الاستياء والتذمر, العداء والعزلة, إلا إن المصطلح له جذوره في الدين والفلسفة والثقافة وعلم الاجتماع, وهو ما سنأتي لاحقا للتلميح به.
أما بالنسبة للغربة وهي قرينة السفر أو الهجرة كخيار فردي له أسبابه المتشعبة, فقد أشار التراث العالمي ومنه العربي والإسلامي إلى فوائده العديدة, ففي أبيات شعر للإمام علي بن أبي طالب ( ع ) يقول فيه:
تغرب عن الأوطان في طلب العلى وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج هم, واكتساب معيشة وعلم, وآداب, وصحبة ماجد
فأن قيل في الأسفار ذل ومحنة وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فموت الفتى خير له من قيامه بدار هوان بين واش وحاسد

كما يقول الإمام الشافعي في مشروعية الانتقال من مكان الضرر:
أرحل بنفسك من أرض تضام بها ولا تكن من فراق الأهل في حرق
من ذل بين أهاليه ببلدته فالاغتراب له من أحسن الخلق
فالعنبر الخام روث في مواطنه وفي التغرب محمول على العنق
والكحل نوع من الأحجار تنظره في أرضه وهي مرمي على الطرق
لما تغرب حار الفضل أجمعه فصار يحمل بين الجفن والحدق

وتتلخص فوائد السفر عند العرب المسلمين في: انفراج الهم والغم, واكتساب المعيشة, وتحصيل العلم, وتحصيل الآداب, وصحبة الأمجاد, واستجابة الدعوة, وزيارة الأحباب ورفع الإنسان نفسه من الذل. وفي التراث العالمي والأوربي منه بشكل خاص باع في قيمة السفر ومزاياه, وهو احد مصادرهم الهامة في اكتشاف المجهول من العالم في مجال الجغرافيا والمعارف والآثار, وكذلك لنشر أفكارهم ودياناتهم, ولعل في قول فوجريه دو مونبرون ما يؤكد ذلك: " من لم يرى إلا بلده يكن قد قرأ الصفحة الأولى فقط من كتاب الكون ". السفر والهجرة يعني التعلم, يعني أن يرى الإنسان ذاته كما هي بموضوعية وكم هو حجمه أمام العالم الواسع, فالانغلاق هو أن يرى الإنسان أكبر من حجمه وفي ديمومة أورام الذات, فالسفر يضعك في مكانك المناسب وما تصبوا إليه, ويجعلك متلقيا ومستمعا جيدا للمعلومة ومرسلا لها على قدر معرفتك في تواصلك مع الآخر, ويفتح أمامك أبوابا واسعة للمعرفة إذا كان لديك الفضول والدافع المعرفي للتعلم. فكم من عراقي وعربي كان يرى نفسه معتدا بذاته بحكم عيشه في ظل نظم معزولة عالميا تحجب عنه المعرفة الحقيقية, ولكنه عندما يصطدم بالعالم الخارجي يعرف ما هي حقيقته وما هي مكانته الحقيقية في عالم لا حدود له, مما تدفعه الرغبة إلى المزيد من المعارف والعلوم في عالم متغير بدون انقطاع !!!!.

وإذا كانت الغربة أو السفر والهجرة على المستوى الفردي تفتح منافذ الرحمة أمام الفرد للخلاص من الضغوطات والصراعات السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية, والخلاص من الاضطهاد بمختلف مظاهره, أو الرغبة في تحصيل العلم, فأن عدم عودة قوافل المهاجرين وإبقائهم بعيدا عن موطنهم الأم يشكل نزيفا مستمرا وتهديدا لأي عمليات إعادة بناء للبنية السياسية والاقتصادية والثقافية للبلدان المصدرة للهجرة. ولعل الإحصائيات على صعيد البلاد العربية ترينا حجم الكارثة المحدقة في الحرمان من القوى المهاجرة, فقد بلغ عدد المهاجرين العرب في الخارج أكثر من 35 مليون يمثلون أكثر من 12% من سكان الوطن العربي, والمهم في ذلك هو نوعية العقول المهاجرة من مختلف التخصصات, والتي من بينها تخصصات إستراتيجية مثل الجراحات الدقيقة, الطب النووي والعلاج بالإشعاع والهندسة الالكترونية والميكرو ـ الكترونية, والهندسة النووية, علوم الليزر, تكنولوجيا الأنسجة والفيزياء النووية وعلوم الفضاء والميكروبيولوجيا والهندسة الوراثية واقتصاديات السوق والعلاقات الدولية, طبعا إلى التخصصات المهمة الأخرى في نطاق العلوم الإنسانية والأدبية, فهناك علماء وكفاءات متميزة ومن ذوي السمعة العالمية المرموقة. وقد تسببت هجرة العقول العربية بخسائر مالية تجاوزت 200 مليار دور !!!!!.

ومادامت عوامل الهجرة وأسبابها قائمة فأن نزيفها لم يقف بل تفاقم في العقود الأخيرة على خلفية مجمل الأوضاع في البلاد العربية, وفي مقدمتها: القمع والإرهاب الديني والسياسي وحملات الاعتقال والتطهير للمعارضين السياسيين, التهجير العرقي والاثني والطائفي, انعدام الحريات السياسية والتعددية الحزبية وما يرتبط بها من نظم دكتاتورية بواجهات مختلف لا تسمح بالاختلاف في وجهات النظر, سيادة أجواء الإحباط وعدم الاستقرار السياسي والخوف من المستقبل, عدم توفر المناخ العلمي في مواقع العمل وانعدام الحريات الأكاديمية وضعف البحث العلمي في الجامعات والمؤسسات البحثية, التخلف العام في البلاد العربية وضعف الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية, فشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود خلت بدون عوائد كبيرة على حياة الفرد والمجتمع, الانتماء إلى الأقليات القومية والدينية وعدم الإحساس بالأمن والأمان, استفحال البيروقراطية الإدارية والروتين في كل مفاصل المجتمع, بما فيه الجامعات ومؤسسات البحث العلمي والتطوير الاجتماعي, وأيضا أسباب أخرى ذات علاقة بالطموح الشخصي وتحسين ظروف العيش الفردي وحرية ممارسة المهنة !!!.

وإذا كانت هجرة الكفاءات العلمية والاقتصادية والمهنية تسبب الكثير من الخسائر المادية, متمثلة برأس المال واستنزاف الطاقات البشرية المدربة والمؤهلة والمنتجة وذهابها بعيدا عن موطنها الأم, وتدني الدخل القومي نتيجة لانخفاض مستوى الإنتاج, وعرقلة انجاز الخطط التنموية, وتغيرات في التركيبة السكانية من حيث النوع والعمر, والخسائر الاجتماعية والخدمية والثقافية والحضارية, فأن الهجرة القسرية للأحرار والديمقراطيين واللبراليين من سياسيين ومفكرين ومثقفين ومبدعين هي الأكثر وجعا لذات المهاجر الذي يحمل الحلم الكبير في التغير, وأشد ألما يلحق بالوطن, حيث يضعف تشكيل البدائل المعارضة لفكر وثقافة أنظمة القمع والدكتاتورية في أرض الوطن, مما يترك هذه الأنظمة تمارس مزيد من الانفراد والتحكم والهيمنة والقمع على شعوبها وحجبها عن النهضة الفكرية والثقافية والتنموية, و يجعلها فريسة سهلة لفكر التطرف الديني والسياسي في لحظات التغير المطلوب, مما يزيد من تصحرها وتخلفها الفكري والحضاري !!!!!.

أما الوجه الآخر لتصدع الأوطان فهو الاغتراب عنها من داخلها, أي الإحساس بالغربة داخل الوطن وأنت فيه, والاغتراب هنا ضمن هذا المفهوم يمثل نمطا من التجربة التي يشعر فيها الإنسان بالغربة عن الذات, فهو لا يعيش ذاته كمركز لعالمه أو كصانع لأفعاله ومشاعره. ومعاني الاغتراب متعددة, اجتماعية ونفسية واقتصادية, ويمكن إجمالها في انحلال الرابطة بين الفرد والمجتمع, أي العجز المادي عن احتلال المكان الذي ينبغي للمرء أن يحتله وشعوره بالتبعية أو يحس الانتماء إلى شخص أو إلى آلية أخرى, فيصبح المرء مرهونا لها, بل مستلبا. وهذا ما يولد شعوريا داخليا بفقدان الحرية والإحباط والتشيؤ والتذري والانفصال عن المحيط الذي يعيش فيه.

وبعيدا عن التفاصيل في تتبع مفهوم الاغتراب في الفكر الفلسفي والاجتماعي بما لا تتحمله المعالجة في هذا المقال, نؤكد باختصار شديد أن الاغتراب في المفهوم الديني ولدى الأديان السماوية الثلاث " اليهودية والمسيحية والإسلام " يلتقي عند مفهوم واحد, أي بمعنى الانفصال, انفصال الإنسان عن الله, وانفصال الإنسان عن الطبيعة " الملذات والشهوات ", وانفصال الإنسان "المؤمن " عن غير "المؤمن ", وأن المفهوم الديني للاغتراب عن الآخر وعن الطبيعة ينطوي على أن الاغتراب ظاهرة حتمية في الوجود الإنساني وحياة الإنسان على الأرض ما هي إلا غربة عن وطنه الأسمى, وطنه السماوي, وهذا ما يفسر بعض من سلوكيات التطرف الديني في حرق الأرض تحت أقدام ساكنيها للفوز بالوطن الآخر على عجالة, أو القراءة المشوه لما يحصل من أحداث على الأرض أو التعجيل بحدوثها لأنها قدر محتوم على طريق التعجيل السريع باستحضار علامات الظهور صوب نهاية الحياة الدنيا !!!!!!.

أما من الناحية الفلسفية فأن أول من صك مصطلح الاغتراب من الناحية المنهجية هو الفيلسوف الألماني هيغل, حيث رأى في الاغتراب هو أن الإنسان ينفي ذاته عن نفسه كفاعل فيتحول إلى موضوع, أي مفعول به, في رحلة هدفها البناء والتكامل الروحي. فعندما يتحول إلى موضوع يكون حينها غريبا عن محيطه, فيشعر الإنسان بالاغتراب عندما يشاهد نفسه عن بعد كأنه خارج عنها. ولا ينتهي هذا الشعور بالاغتراب إلا حينما يرى الإنسان نفسه وموضوعه متطابقان وذلك من خلال خلق هوية ثابتة تخصه هو وحده من خلال شيء آخر, كالعمل أو الوطن أو المال أو هواية معينة. فهي رحلة للبحث عن الذات والهوية. وقد اعتبر هيغل أن هناك وجهان للاغتراب: أ ـ الوجه السلبي الذي يؤدي للعزلة, ب ـ الوجه الايجابي والذي يؤدي للإبداع. وهكذا يتمحور لديه معنى الاغتراب حول شعور الفرد بأنه غريب عن ذاته, أو عن مجتمعه الذي يحيا فيه.

أما بالنسبة لكارل ماركس, فقد ربط الاغتراب بالعمل المأجور وموقع الإنسان بالنسبة له. فالإنسان ينتج عملا لكنه يصير عبدا له, بمعنى انه يشعر بالغربة عما هو ينتجه بنفسه. وتتفاقم هذه الغربة إذا علمنا أن في العمل إمكانيات حقيقية لتفتح طاقات الفرد وتطوره. وهكذا حول ماركس الاغتراب من ظاهرة فلسفية ميتافيزيقية. كما كان عند هيغل, إلى ظاهرة تاريخية لها أصولها التي تنسحب على المجتمع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية. والاغتراب عند ماركس له وجهان أيضا: أ ـ الوجه السلبي الذي يؤدي للعزلة, ب ـ الوجه الايجابي الذي يؤدي إلى الصراع الطبقي وبالتالي إلى الثورة والتغير.

وبين هيغل وماركس يطل علينا فورباخ ليفسر الاغتراب ومنبعه في الدين وبسبب الدين حصرا, بمعنى آخر أن الإنسان خلق الدين وأبتلى به, ويعتبر أن الاغتراب الديني هو أساس كل اغتراب, وأن الفكر الديني يقوم على فرضيتين أساسيتين: 1 ـ أن القصص الدينية روايات حقيقية لحوادث حقيقية, 2 ـ انه يمكن الاستدلال على قواعد الإيمان بالعقل واعتبارها حقائق منطقية. أما العالم اريك فروم الذي مثل التيار اليساري في مدرسة التحليل النفسي الفرويدية, فهو لم يرى في الاغتراب كنتيجة للصراع الجنسي كما اعتقد فرويد, ولم يراه أيضا نتيجة للصراع الطبقي الاقتصادي كما قرره ماركس, بل رأى في الاغتراب نتاج أمور وجودية, شخصية الطابع, اجتماعية المنشأ, ويرى أن المجتمع الحديث قد تعقد وأصبح نتاج الإنسان هو السيد مع انه يفترض أن يكون في خدمته وأن الإنسان أصبح أكثر شكا وقلقا وعزلة ووحدة وخوفا وان مجتمعه لا يهتم بتنمية علاقاته الإنسانية الصحيحة.

ومن هذا الاختزال الشديد لمفهوم الاغتراب فأن الاغتراب تتسع مظاهره لتشمل الاغتراب الديني, والاقتصادي, والسياسي, والثقافي, والتربوي والتعليمي, والاغتراب القيمي, والإيديولوجي, والاغتراب الناتج من التطور الصناعي والتقني والمعلوماتي, وجميعها مسببة للعجز والإحباط الذي يتملك الفرد وعزلته الاجتماعية والذاتية. واليوم وبعيدا عن جذور الاغتراب التاريخية, تمر مجتمعاتنا العربية بمرحلة خطيرة تتفكك فيها الذات الفردية وتغترب على خلفية تدهور البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, حيث الفقر وانعدام مستويات إنسانية لائقة للعيش من خدمات مختلفة أساسية, صحية وتعليمية وغيرها, ويغترب الفرد على خلفية تفكيك وسقوط مؤسسات الدولة, الإدارية والأمنية والعسكرية والخدمية ولا نقصد بذلك سقوط النظم الدكتاتورية صانعة العزلة والاغتراب الداخلي " فهذا شيء آخر ", وشيوع نمط من الحروب الداخلية, الدينية والطائفية والأهلية والاثنية, مما يؤدي إلى تجزئة الأوطان وانسياقها وراء مشاريع التفتيت الجغرافي بواجهات مختلفة " كما هو الحال في النموذج الذي يهدد العراق " مما يهدد نسيجها الاجتماعي والثقافي, تدهور المؤسسة التعليمية, بكادرها ومناهجها ومجمل أدائها وإعادة إنتاج الأمية من جديد, تصفية وتهميش الطبقة الوسطى من مختلف المجالات العلمية والمهنية والخدمية, التطهير الواسع للأقليات العرقية والدينية والعبث بالتركيبة السكانية والاثنية, تدمير الذاكرة الوطنية والثقافية, من حرق وسرقة للآثار والمتاحف والمكتبات الوطنية ونسف الرموز الايجابية من شخصيات وأضرحة وتماثيل وقطع أثرية بمبررات دينية وسياسية, غياب الأمن والآمان الفردي والمجتمعي مما يجعل الجميع تحت مشاعر فقدان الجدوى من العيش والإحساس بالضياع وفقدان الأمل بالمستقبل, ازدواجية الخطاب السياسي في الممارسة العملية, بين ديمقراطية معلنة وإقصاء ودكتاتورية شرسة على ارض الواقع تمتد لتشمل كل مناحي الحياة وتفاصيلها اليومية بما فيها تقرير لقمة العيش !!!!.

أن الوجه السلبي للتجربة العراقية والذي بدأت ملامحها على ما يبدو سهلة التعميم في دول عربية إن لم تكن أكثر شراسة, تلك هي بداية الأحداث في مصر وليبيا واليمن وغيرها, مما يهدد الأوطان بفقدان الأمل بثوراتها وانجازاتها التاريخية, ويضع هذه البلدان أمام مخاطر التفكيك والانهيار للدولة والمجتمع, بعد أن أسست الأنظمة القمعية عبر عقود لميكانيزم هذا الانهيار. فهل للاغتراب الذاتي والاجتماعي الناتج من الأزمة المستعصية أن يؤسس لخلق مزاج ايجابي يحمي الأوطان كما استقرئه كارل ماركس وهيغل وغيره. أن ذلك يرتبط بشروط النضج الذاتي للأفكار وإيديولوجيات العدالة الاجتماعية وقدرتها على احتواء الأحداث المتسارعة !!!!.


المرأة والمتلازمة الثلاثية: الاضطهاد ـ الاعتداء ـ الاغتصاب

شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
 
المرأة والمتلازمة الثلاثية: الاضطهاد ـ الاعتداء ـ الاغتصاب
 في سيكولوجيا تأصل العنف
" لا عدالة بلا مساواة, ولا مساواة بلا حرية "
                                     ألكسي دو توكفيل
 
د.عامر صالح
 
في البداية قد يبدو من الصعب الخوض في تفاصيل هذا الثلاثي " الاضطهاد ـ الاعتداء ـ الاغتصاب " من الناحية المنهجية, نظرا لسعة الموضوعات فيه, من حيث الأسباب والمظاهر والنتائج الاجتماعية المعقدة التي يفرزها كل مكون من مكونات هذا الثلاثي وانعكاساتها الخطيرة على المرأة أولا وعلى عموم المجتمع والعلاقات الاجتماعية من جهة ثانية, إلا أنني ارتأيت الكتابة في هذا الثلاثي متجاوزا الدخول في التفاصيل, ومركزا على ما هو مشترك في الميكانزم الذي يجمع هذا الثلاثي ويسببه آلا وهو العنف الذاتي وآليته المسببة متزامنا مع التفسير الاقتصادي ـ الاجتماعي, وان كان الأخير يقرر طبيعته ومظاهر التعبير عنه, بل ويفسر آليته من وجهة النظر المطابقة. وعلى هذا الأساس نرى من الضروري قبل الدخول في التفاصيل الإطلالة السريعة على ماهية هذا الثلاثي والتفسيرات التاريخية التي تناولته وأغنته, ثم تلاحم ذلك واندماجه مع البعد السيكولوجي الذاتي والثقافي العام !!!!.
 
لقد كان للفكر الماركسي حضورا زخما في تفسير الطابع الاجتماعي لاضطهاد المرأة في كل المراحل التاريخية, فقد أكد أن هذا الاضطهاد ذو طابعا تاريخيا, أي بمعنى أن الواقع الدوني للمرأة في العائلة والحياة العامة والمجتمع ليس متأصلا في الطبيعة البشرية البيولوجية, أو من مشيئة الخالق أو من مقتضيات النواميس الأخلاقية العامة, بل هو نتاج ظروف تاريخية أولدته, قابلة للشرح والتحليل والتنبؤ, وبالتالي تمتلك طابعا نسبيا وانتقاليا, يمكن تجاوزها حال توفر الشروط التاريخية البديلة والتي تؤمن للمرأة موقعا متحررا ومتساويا الحقوق مع الرجل. كما أكدت الماركسية أنه قبل تطور المجتمع الطبقي وخلال الفترة التاريخية التي يسميها الماركسيون عادة الشيوعية البدائية أو مجتمع الكفاف, كان تنظيم الإنتاج الاجتماعي جماعيا وتوزيع أنتاجه منصفا. لهذا انعدم آنذاك كل اضطهاد أو استغلال مجموعة أو جنس من طرف آخر بسبب انعدام الأسس المادية لهذا النوع من العلاقات الاجتماعية. وكان الجنسان يشاركان في الإنتاج الاجتماعي مساهمين في ضمان معاش الجميع وبقائهم. وكان الوضع الاجتماعي للنساء كما للرجال انعكاسا لدور كلاهما اللازم في صيرورة الإنتاج.
 
أي بمعنى آخر إن ظهور اضطهاد النساء ارتبط أصلا بالانتقال من المجتمع اللا طبقي إلى المجتمع الطبقي, وتزامن تحول مكانة المرأة هذه مع نمو إنتاجية العمل المرتكز على الزراعة وتدجين الماشية وتكوين مخزونات, كما تزامن مع ظهور تقسيمات جديدة في العمل والحرف والتجارة, ومع التملك الخاص لنتاج اجتماعي فائض ومع تطور إمكان اغتناء البعض باستغلال عمل الآخرين. وعلى خلفية هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخاصة أصبحت النساء بفعل دورهن البيولوجي في الإنجاب, ملكية سهلة ومريحة. كانت النساء كالعبيد والماشية مصدر ثروات. فوحدهن قادرات على إنتاج كائنات بشرية جديدة يمكن استغلال عملها فيما بعد. لذا أصبح تملك النساء من طرف الرجال, وبالتالي امتلاكهم كل الحقوق على ذريتهن القادمة, أحدى المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الجديد المرتكز على الملكية الخاصة. وكان ظهور العائلة البطريركية " الأبوية " امرأ منطقيا باعتبارها أول مؤسسة اقتصادية اجتماعية تضمن تأيدا عبر الأجيال لانقسام المجتمع إلى طبقات " طبقة تملك ثروات وتعيش على عمل الآخرين, وطبقة لا تملك وتضطر للعمل لفائدة الآخرين. وقد تزامن ظهور العائلة البطريركية وإخضاع النساء داخلها مع باقي مؤسسات المجتمع الطبقي الوليد, ظهور الدولة بشرطتها وجيشها وقوانينها ومحاكمها لتعزيز وتكريس هذا الطراز من العلاقات. وعلى هذه القاعدة ولدت أيديولوجيات وأديان وأفكار الطبقة المسيطرة وأدت دورا حيويا لتبرير عدم المساواة بين الجنسين والإذلال الذي تعرضت له المرأة. ولابد من الإشارة هنا إلى قدرات فردريك أنجلس في تتبعه لتطور أشكال العائلة والزواج عبر التاريخ في مؤلفه " أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة " والذي اعتمد على المنهج المادي التاريخي لماركس, وعلى المعارف التاريخية والانثربولوجية المتوفرة آنذاك , والتي أغنت هذا الجانب كثيرا !!!!.
 
وهكذا بدأت الرحلة التاريخية لعدم المساواة بين الجنسين عبر العصور والى يومنا هذا, متخذة طابعا تعسفيا وشرسا يشمل كل مناحي حياة المرأة, الشخصية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأسرية, وقد جردت من كل امتيازاتها, في الثروة والسلطة والسلاح, بعد إن انتزعت رمزية إلوهيتها " إلهة الخصب " كسيدة للسماء, ليحل محلها الإله الذكر كتعبير عن المتغيرات التي حصلت على الأرض. وبهذا أيضا بدأت رحلة المجتمعات الإنسانية في مسحتها الذكورية الغالبة عبر مختلف العصور, وبمختلف مظاهرها, من حروب مدمرة اقتصادية ـ سياسية ودينية, شكلت النساء والأطفال ضحاياها و خطوطها الخلفية ووفودها الاحتياطي, إلى جانب مختلف الانجازات المادية والفكرية عبر مراحل التاريخ وتشكيلاته الاقتصادية ـ الاجتماعية المختلفة, وصولا إلى عصرنا الحالي, في حروبه الإقليمية والعالمية والمحلية وبمختلف أسلحة الإبادة الفردية والجماعية, في مقابل انجازاته في التقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي والفكري والفلسفي والإيديولوجي !!!.
 
وعلى الرغم من انتشار أفكار العدالة والمساواة بين الجنسين على نطاق واسع في عالمنا المعاصر اليوم, واكتساب المرأة المزيد من الحقوق في مساواتها مع الرجل, وخاصة في أوربا و العالم الغربي المتمدن, واتساع نطاق مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقريريها لشأنها الخاص دون وصايا, إلا إنها إلى اليوم لا تزال مشروع منافسة غير متكافئ أمام الرجل في مجالات مختلفة, مهنية وقيادية وعلمية وحتى في الحوافز المالية والمرتبات, وتحول شرائح واسعة من النساء إلى قوى عاملة رخيصة يستعان بها في وقت الأزمات الاقتصادية, أو يتم تسريحها من العمل حال دخول المشروع الاقتصادي للمنافسة بين شغيلته. وتتحول العائلة إلى مشروع اقتصادي تندمج بالية السوق وتستجيب لحاجاته وتتأثر بأزماته. وإذا اقتنعنا بتجريد خالص بالفكرة الماركسية القائلة بأن انقسام المجتمع إلى طبقات يقف وراء استغلال المرأة, فأن المجتمعات الأوربية والأمريكية اليوم أكثر المجتمعات طبقية واستقطابا في الثراء والثروة, وهذا يعني أن الحديث عن العدالة بين الجنسين هنا لا يخلوا من تحفظات كثيرة. ناهيك إلى ما تتعرض له المرأة في هذه المجتمعات من مختلف سوء المعاملة من اعتداء وانتهاك لحرمتها وحريتها الشخصية,على الرغم مما قطعته من شوط بعيد في المساواة بين الجنسين, ويكفي أن نشير هنا إلى أن في أمريكا وحدها ترتكب كل ساعة 78 حالة اغتصاب, إلى جانب ما يتم من حالات اغتصاب كثيرة في دول أوربية مختلفة, كالسويد وانكلترا وسويسرا واسبانيا وبولندا وسلوفاكيا ورومانيا وغيرها من الدول الأوربية " ممكن العودة هنا إلى صفحات ألنت للمزيد من المعلومات ". أن ذلك يثير تساؤلا مشروعا: هل يكفي التفسير المادي الاقتصادي ـ الاجتماعي والثقافي فقط لتفسير اضطهاد المرأة والتطاول على حريتها واغتصاب جنسها و حقوقها, أم أن هناك أسباب أخرى سيكولوجية ـ ذاتية بحتة تختفي وراء ذلك !!!!.
 
أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف, حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يندمج الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض !!!!.
 
وعلى الرغم مما حققته المرأة في مجتمعاتنا من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وهندسية وتعليمية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية أو عضوية برلمان وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها. فهل يعقل " على سبيل المثال " لدولة ترغب في بناء الديمقراطية والتعددية والمساواة, وفي برلمانها أكثر من 25 عضوا من النساء لا يتبادلون التحية بالمصافحة في البرلمان, انطلاقا من مسوغات " شرعية " بعدم الجواز في ملامسة الأيدي, والمشكلة ليست في المصافحة من عدمها, بل المشكلة كيف تؤسس لمزاج المساواة في أعلى هيئات حكومية, وليست لبناء جدار عازل من الريبة والشك بين الجنسين. أن تعليم المرأة ودخولها إلى سوق العمل وتحملها مسؤوليات عليا لا يعني مؤشرا لتحررها, بل يعني في مجتمعاتنا انه إضافة للمرأة لتزيد من قيمتها في المنافسة في الزواج والعمل أو دخلا إضافيا للأسرة يسهل ابتزازه, على الرغم من ضرورة ذلك للارتقاء بها وكخطوة أولى بسيطة على طريق المفهوم الشامل للمساواة بين الجنسين !!!!.
 
وتبدأ المرأة كمشروع للاستلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية, خارج إطار والديها, من أخوانها الذكور الصغار والكبار, حتى إذا بلغت اشتدت دائرة الرقابة عليها من الجميع, ثم يستقبلها زوجها فيعيد إنتاج تربيتها وفق لما يرتئيه مناسبا له, بل حتى أطفالها الذكور يساهمون في " تربيتها " وفرض دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية, وتتعرض إلى شتى مظاهر الإساءات كامرأة أو زوجة, من الإذلال وجعلها تشعر بعقدة الذنب, وإساءة معاملتها جسديا بالضرب والتهديد والوعيد, ومنعها من التعاطي بالمال وإيجاد فرص عمل لكسب المال وجعلها معتمدة كليا على مال الرجل أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به, وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بموافقات مسبقة وبشروط محكمة في الصرامة ومراقبة تحركاتها عن كثب, إلى أين تذهب ومع من تلتقي, وجعلها تشعر بالذنب أمام أخوانها أو أولادها وتهديدها من عدم رؤية أولادها وحتى ممارسة الضرب والاهانة لها أمامهم, وممارسة الإكراه والتخويف والتهويل لها وإجبارها على القيام بمختلف التصرفات التي قد تؤذي فيها حتى نفسها !!!.
 
وتتعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى شتى مظاهر التضييق والإكراه الجنسي, فحال وجودها بمفردها في الشارع أصبحت مشروعا للتحرش والمضايقات وسوء الظن بها وبطلعتها, فهناك إحصائيات تؤكد أن 60% من الفتيات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي ابتداء من الملامسة لأجزاء الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب التام لها, مرورا بالعنف الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في البيئات الفقيرة والمتخلفة, والتي ترى في المرأة موضوعا جنسيا لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن الرغبة للطرف الآخر, إلى جانب ظاهرة الاغتصاب واستخدام القوة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحية, وتشير التقارير الأمنية المصرية أن هناك ما لا يقل عن 27 حالة اغتصاب يوميا, أي ما يعادل 10000 حالة سنويا " نقلا عن الانترنيت ", كما تنتشر حالات الاغتصاب في دول المغرب العربي وفي لبنان وفي العراق " وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي له ", وكذلك في الدول الخليجية حيث ينتشر الاغتصاب في أوساط الدائرة القريبة للضحية, كسائق الأسرة أو الخادم ومن محيط العائلة والأقارب أو ذوي المناصب وغيرها. وعادة لا يجري في مجتمعاتنا التبليغ عن جرائم الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وأسرتها وعشيرتها, وخاصة في مجتمعات مسلمة تتدعي التدين, وعادة ما يلقى اللوم على المرأة باعتبارها هي مصدر الإغراء والمسبب لذلك !!!!.
 
ورغم تعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, إلا أن العنف الرمزي هو أكثر الأشكال ضررا وإيغالا في معاناة المرأة, وهو عنف غير فيزيائي, ويتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا, وهو كما يصفه بورديو بأنه " شكل لطيف وغير محسوس من العنف ", وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم. كما أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم, ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف, بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية "الذكورية " ابتداء من البيت والنشأة الأولى وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي تلقي بضلالها على الكثير من السلوكيات اليومية المذلة للمرأة, والمدرسة وتخلف مناهجها وما تبثه من معلومات حول الفرو قات بين الجنسين واستخدامها بشكل سيئ لتوجيه الطعون ضد المرأة وأهليتها الاجتماعية, الفصل  بين الجنسين في المدرسة وخاصة في مراحله الأولى يؤسس منذ البدء للريبة وسوء الظن بالجنس الآخر, والاستعانة بالتراث السلبي وانتقاء أحداثه بطريقة متحيزة بما يضفي إلى تصور المرأة كائنا شريرا وناقصا ولا يحمل إلا المنعطفات والأحداث السيئة, الأفكار والإيديولوجيات السائدة التي تكرس الشائع واللامنطقي عن المرأة وعدم مقدرتها على تجاوز الواقع, الاستعانة بتفسيرات الكتاب المقدس والسنة النبوية بما يفضي إلى تكريس اللامساواة وتشويه قدرات المرأة وإمكانياتها, كما يرد في " المرأة ناقصة عقل ودين ", وكذلك الفتاوى الدينية المختلفة التي تتدخل في التفاصيل الدقيقة للمرأة ووضعها في غير مكانها المناسب. أن هذا النمط من العنف الثقافي والتربوي الرمزي والخفي يجد له انعكاساته ليست فقط في ممارسات الرجال ضد المرأة, بل الأخطر من ذلك أن المرأة تعتبره قدرا وتتفاعل معه إلى درجة الدفاع الخفي عنه وعن مرتكبيه " أي الضحية تدافع عن الجلاد ". وهذا الفرق الواسع بين العنف في مجتمعاتنا وبين العالم المتمدن, حيث في الأخير لن يلقى الدعم والإسناد من المنظومة القيمية والفكرية السائد وبالتالي هو مدان على نطاق واسع بما يحد من إعادة توليده, وهو بعكس ما سائد لدينا حيث يلقى التفسير والإسناد والإثابة في أحيان كثيرة !!!!!.
 
وهكذا تتضافر منظومة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والفكرية والأيديولوجية لاستلاب المرأة وامتهانها بشتى سلوكيات الإذلال والحط من القيمة الشخصية لها والاجتماعية, ولا تفوتنا في هذا المقام دور العوامل النفسية الذاتية المتمثلة " بالعنف الكامن " الذي يتخذ مسارات مختلفة في الشخصية الفردية والمجتمعية, فالعنف لدى الإنسان قل نظيره ووظائفه في الكائنات الحية الأخرى, ففي الوقت الذي يقوم الحيوان بسلوك العنف حفاظا على نوعه أو في البحث عن عوامل البقاء كالبحث عن الطعام والأمن, وهو نادرا ما يرتكب ضد أبناء الصنف أو النوع الواحد, كما عدوانيته محدودة بحدود غرائزه وما منحته الطبيعة من قدرات محدودة لا يستطيع الحيوان تجاوزها, بل أحيانا يستسلم عند الحاجة ويكتفي بالقدر المقرر له, غير أن العنف أو العدوان الإنساني يتجاوز هذه الحدود, فالإنسان هو الكائن الذي يقتل من اجل القتل وهو الوحيد الذي يشن الحروب والعدوان الهادف المنظم والاغتصاب والى حدود التشويه والتمثيل في المعتدى عليه وحتى محاولة إيذاء النفس والقضاء عليها بالانتحار, كما أن الإنسان وحده هو الذي تفنن وطور أساليب الأذى والعدوان والحروب, من أسلحة بسيطة إلى أسلحة متطورة, كأسلحة الدمار الشامل بمختلف أنواعه !!!.
 
وتشير الملاحظات التاريخية والتتبعية للسلوك الإنساني أن الجنس " الذكوري " هو الأكثر عدوانية من الأنثى, مما يترتب عليه الرغبة في إخضاع الجنس الآخر وإيجاد مختلف التبريرات الفكرية والأيديولوجية والدينية والثقافية لتكريس الإخضاع. وإذا كان تقسيم العمل وانقسام المجتمع إلى طبقات هو مصدر عدم المساواة الأول, فأنه جاء ليفتح شهية العدوان ويقدح شرارتها الأولى, والعكس من ذلك فأن إعادة توزيع الثروات وترسيخ مجتمعات العدالة يرمي من ضمن أمور أخرى إلى إعادة رسم طبيعة هذه الغرائز والحد من تأثيرها الضار وخلق نمط جديد من التطبيع الاجتماعي ولكن لا يعني بالضرورة إلغائها أبدا, حيث وجودها الملموس في مختلف مظاهر السلوك, كما أن هناك وجه أخر لغريزة العدوان, والذي يطلق عليه " العدوان الرحيم أو المسالم " الذي يتخذ طابع المنافسة السلمية من اجل البقاء وتحسين ظروف العيش, ولعل في ذلك تكمن انجازات البشرية الايجابية, إلى جانب وجهها الكالح المتمثل في الحروب والدمار وانهيار الحضارات. ولعل لتلك الأسباب شيدت الديمقراطية والأنظمة التعددية ومجتمعات العدالة بين الجنسين, ونبذت الدكتاتوريات والأنظمة الفردية بمختلف واجهاتها السياسية والدينية وعلى مر العصور من أجل الحفاظ على النوع الإنساني وإشاعة فرص المساواة بين البشر بصورة عامة وبين الجنسين بشكل خاص!!!!.