شبكة الصداقة العراقية في ألمانيا
1- أدب الأطفال
د. شذى العاملي
إن ثقافة الإنسان أي كان هي وليدة اتصاله بالبيئة والمجتمع المحيط به، بما في ذلك الأطفال. وتتعلق ثقافة الطفل بهذا الاتصال، بل هي وليدة هذا الاتصال الذي بدونه يتحول الإنسان إلى كائن بيولوجي ليس إلا. ويمكننا أن نطلق على جميع المؤثرات التي يتعرض لها الطفل جراء هذا الاتصال اسم ثقافة ويتعرض الأطفال لهذه المؤثرات بعد الولادة مباشرة وهم يتفاعلون معها بدرجات مختلفة أيضا.
ويُعد أدب الأطفال عودة للكبار ببصرهم الى عوالم الطفولة بنظرة ثاقبة يغذيها خيال مفعم بالحيوية، ذلك إن الكبار يجوبون الرياض الفسيحة لفرح الطفل ويتوغلون في أدغال أحزانه ليخرجوا برؤية مغلفة بالحنين الطفولي. فكلما تسحر أقاصيص الأطفال المليئة بعوالم الطفولة الأطفال
فهي تمتلك صداها في نفوس الكبار ايضا. ولا يختلف أدب الطفل عن أدب الراشدين من ناحية البناء النصي سواء كان قصة شعرا او مسرحاً.
وهو يقترب معه أيضا في أهدافه التي تتلخص في تقديم المتعة والتسلية هذا فضلا عن القيم والقضايا التي يتبناها الكتاب، كقضية حرية الإنسان،
وعلاقته بأخيه الإنسان والمشكلات التي افرزها وجود هذا الإنسان مع الطبيعة سواء من حيث الصراع معها او المحافظة عليها والسعي لإحيائها.
غير ان الطفل لا يتعامل مع التاريخ والتراث الشعبي والأسطورة والمستقبل او الحيوان والأشياء كما هي بل كما تبدو او تتراءى في وجدانه النامي، وعلى هذا لا يتعرف الطفل او لا يخاطب بالحقيقة التاريخية والواقعية في حوادثها او إحداثياتها في وقائعها او سياقها الواقعي، بل في إطار استعارة شاملة بهذا النسق، يكون سياقها الواقعي بمنتهى التجريد في رحابة تخيل يبني واقعه الخاص او الجديد.([1])
المقصود بذلك ان الأدب يستند في نظريته الى الخيال حيث يعتبر جوهر نسق تنضيد الكلمات في متن قصة او رواية، اواي عمل أدبي ما، هو المحاكاة، او تضافر الواقعي مع تخيله، ويشترط ان يكون هذا التضافر في أدب الأطفال ان تجعل من هذا الأدب مجال استعارة حاكته خيوط إدراك الطفل (خياله ووعيه) ولغته (وسيلة للخيال والوعي) والمعول في ذلك هو ان الاستعارة بديل للواقع،حيث تصير معه الى واقع جديد سهل المنال تتقبله عين الطفل وإحساسه ونموه المعرفي والنفسي والاتصالي.([2])
لقد قطعت التربية الحديثة أشواطا كبيرة، ولم تعد المعرفة المعاصرة مجرد حشو لعقول الأطفال بالمعلومات حيث حدث ذلك في الكتب المدرسية في المقام الأول. ويفضل ان تكون دراما الطفل واضحة وبسيطة مترجمة بأفعال وحركات وان لا تشتت فكر الطفل في متابعة التفاصيل وتعميه عن
الخط العام. وان تكون الشخصيات قليلة قدر الإمكان يستطيع الطفل معايشتها وفهمها والتعرف عليها. ان دراما الطفل تحتوي مبادئ
المعرفة وتوجيهات غير مباشرة تدفع الطفل الى اكتشاف نفسه واكتشاف الحقائق بنفسه.([3])
فمن شان التركيز على وصف الأمكنة الجذابة ان تذكي الحماس المعرفي لدى الأطفال، وتحفز خيالهم على طرح أسئلة جديدة وكم امن المربون قديماً بان الأطفال يتوقون الى حقائق ملموسة، كما هو حال الاب في (عائلة روبنسون السويسرية) حيث الاب يضخ المعلومات في رؤوس صغاره، تلك المعلومات التي لا نهاية لها. ان شخصية مثل هذه لا يمكن ان يحتملها الجيل الصاعد ولو لفترة خمس دقائق، أما الأطفال فهم يتطلعون
الى الإجابة عن أسئلة تراود مخيلتهم الصغيرة الكبيرة، غير آبهين بالمعلومات لذاتها ويجب ان تكون الإجابة عن مثل هذه الأسئلة شافية ومبسطة أما إذا اتخموا بالمعلومات بما يزيد عن طاقتهم فستحبط هممهم ويعزفون عن التعلم. فقد يكون من الصعب في بعض الأحيان إقناع الطفل
بالا يصدق حقيقة الصورة الذهنية الحية، فهو يستجيب لموقف مثير حقيقي، فيبدي هلعه من صورته الذهنية المتعلقة باحد الحيوانات
المتوحشة، كما يقنع لعدة ساعات بمصاحبة رفقاء لعبة الخياليين، ويصمم بحزم على واقعية معظم أخيلته الوهمية([4]).
لقد ثبت من الدراسات إن الطفل يكون في أقصى درجات الانتباه وهو يشاهد الأفلام الخرافية الخيالية، ولذلك فان هذه المعاني تتركز في نفسه
فقد حاول كتاب افلام الأطفال استخدام الخيال للابتعاد بأفلامهم عن واقع الحياة، ووضع الخيال بدلاً منها، فضلا عن ترسيخ القيم النبيلة والمبادئ السامية كانتصار عنصر الخير على الشر وإنقاذ البطل في نهاية الامر. وفي مرحلة ما بعد الطفولة ، يطرح الطفل السؤال الآتي: أي نوع من الناس انا؟ ولا يعني ذلك ان الطفل بدا بفهم شخصيته الكاملة.. الا ان مراقبة دراسة نمو الطفل من خلال العملية الدرامية وعلى مختلف
انواعها ، دراما اللعب، كتابة المسرحية، كتابة التمثيل، تقول (ميرجوري ل.هورد) " ان اغلب هذه المادة استخرجها من اعمال مرحلة مدارس
الطفولة (children School Junior) وهي بمثابة المرحلة التي تتفجر فيها قوة الدراما والتي تكون وسائل مهمة ومفيدة لصيانة تعبير الطفل
عن احساسه، مع انه من الضروري دراسة الصيغة التي تاخذ شكل دراما الطفل في فترة ما قبل المدرسة، والتي ستستمر الى فترة المراهقة " ([6]).
وقد اكد (هربرت ريد) في كتابه التعليم من خلال الفن (Education Through Art) ان هدف تعليم الفن، هو ان يقدم لنا اشخاصاً جيدين، ومجتمعاً جيداً، افضل من الفن ذاته.. وأعتقد ان المبدأ نفسه يجب ان يطبق على الدراما نفسها.. حيث تعتبر العواطف العفوية للطفل اكثر أهمية من التكنيك الكامل.
تعتبر مراقبة الطفل هي أفضل وسيلة لفهم الطفل من خلال معاينته في اثناء اللعب وهي وسيلة مقبولة بكافة استنتاجاتها، لدى أي شخص يعدّ الأطفال وهذا ينسجم مع ما دعت إليه د. سوزان اسحق(القدرة التعليمية).
فنحن إذ نراقب الأطفال وهم يلعبون متخذين من ادوارهم فرصا للتعبير عن مكنوناتهم بطريقة خيالية (فنطازية) فهم يقلدون الكبار من الناس الذين
حولهم، ويعكسون الطريقة البدائية لسلوكهم، فهو حب المشاكسة، والاعتداد بالنفس (الغطرسة) والمسالة اعمق من ذلك! ان اللعب يقدم لنا
نتائج اجتماعية وفيزيقية انه تطوير لحركة جسد الطفل الذي يحتاج الى حركة اجساد الأطفال الاخرين
لتحقيق سعادته والامر اعمق من ذلك ايضا.. انه تعبير عن سيكولوجية الذات والصراعات الخاصة والادراك المحسوس والاسباب الاولية لكل ذلك.
وهو في هذه الحالة يبدو وقد قدر على التخلص منهم ولكن يسبق ان يدركهم من خلال سياقه الداخلي وقدرته في ذات الوقت ان يضعهم في سياقه الخارجي. ذلك ان الطفل الاعتيادي ليس مجرد شيء منهمك في الخيال لا يدرك تاثير العالم الخارجي (المحيط). وتأتي الدراما هنا لتفعل فعلها الذي يعتبر احد الوسائل التي يتعلم من خلالها الطفل الانفصال عن الآخرين تدريجياً فهي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها. والدراما لدى الطفل
وسيلة يستطيع الطفل بواسطتها المغامرة داخل الشخصيات والنفاذ الى حياة الآخرين وهي وسيلة ايضا لسحب هذه الشخصيات الى الخلف
كرموز داخل نفسه.
وعندما يدخل الطفل المدرسة فيصبح بمقدوره تمثيل مسرحية مكتوبة من شخص اخر، وتبدو مفروضة عليه من قبل معلمه تسمى هذه الفترة، فترة فطام عن الخيال (الفنطازيا). ذلك لان الطفل يكون قد تعلم أن يفصل ذاته عن عالمه الخارجي المحيط حيث سيكون متأكدا من هويته
(الشخصية) ويدرك ان الأطفال الآخرين يقومون بأعمال أفضل منه.
إذ يبدأ بنقد ذاته، يضاف الى ذلك ان هذا التحول يكون بطيئاً ومتوازناً في ذات الوقت، ويرافقه رسوخ في الذكاء ورسوخ في العواطف؛ تسمح له
بالانفصال أي الاستقلال. هنا علينا ان نفطمه عن قصص الجن والخيال (الفنطازيا) والسماح له بالاستمرار في مرحلة اللعب الدرامي الكامل
حيث يستطيع من خلالها الوصول الى الأشياء الصلبة لعالمه الخارجي دون ان نشعره اننا نحاول ان نحرمه من خياله الفنطازي وقبل ان يكتشف ان ذلك الخيال غير مجد له، وان يركز نشاطه بشيء مفيد، سيكون مفيداً جداً في مرحلة التحول هذه من المعروف ان المراهق، نادرا ما يواجه النهاي المحزنة او الحقيقية المطلقة عكس الطفل في مرحلة الروضة الذي يبدي استعداده لتقبلها بينما احتياجات الخيال يجب ان تستانف بشكل أخر فيجب ان يخلق غزاة جدد للواقعية. وفي عمر الثامنة يبدو الطفل أكثر حساسية وأكثر هدوءاً الا ان صورة الحياة ما زالت غامضة لديه، وما تزال العواطف داخله مكبوتة قوية بانتظار اشارة المراهقة لتحريرها بذات القوة.([7])
ويعتبر كبت السنين السابقة حافزاً للتعلم ذلك انه سبب بقائه في عواطف حياته، فهو السبب الذي يعكس عدداً من المظاهر للناس والأشياء.
وتعتبر القصص العظيمة للأدب والتاريخ، قصص الحب والكراهية والابطال والمغامرات والاكتشافات العظيمة، وتوسع جغرافية الأرض واختلافها، وأصل الحياة الاجتماعية، والسلوك البشري. كل ذلك يواجه بفضول الا انه اقل من المحورية الأنانية، حيث بدأت مرحلة تحقيق الأنا بالتلاشي الا ان البقايا الكثيرة منها ما تزال باقية، ذلك ان الطفل هنا يسعى لان يتقمص ادوار الشخصيات التي يجدها في الكتب والتي تكون ذات عاطفة خيالية. وفي هذه المرحلة بين الثامنة والتاسعة سيستعد الأطفال لاكتشاف عالم الكتب ولكنهم يظلون بحاجة إلى عناء تقبل المادة.
No comments:
Post a Comment