شبكة الصداقة العراقية في المانيا
السياسة التركية تجاه منطقة الخليج العربي ...
مدخل عام
د. بتول الموسوي
لم تحضَ منطقة الخليج العربي بإهتمام السياسة التركية الفعلي إلا مع بداية السبعينات اثر الثورة النفطية الكبيرة التي شهدتها المنطقة وارتفاع أسعار النفط وتراكم الثروات فيها، وقد ترافقت تلك السياسة مع العديد من المتغيرات التي ارتبطت بالقضية القبرصية وموقف الغرب منها ووقوفهم ضد تركيا على عكس توقعاتها بوصفها عضواً فعالاً في منظومة حلف شمال الأطلسي والحامية للجناح الجنوبي الشرقي للحلف من التهديد السوفيتي والداعمة للستراتيجية الأمريكية في منطقة الخليج العربي. وبغية التركيز على السياسة التركية تجاه المنطقة كلاً وتفصيلاً سنعمد إلى تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: السياسة التركية تجاه الوطن العربي منذ عام 1945.
المبحث الثاني: السياسة التركية تجاه الخليج العربي حتى عام 1991.
المبحث الثالث: السياسة التركية تجاه الخليج العربي اثر انتهاء الحرب الباردة.
المبحث الاول
السياسة التركية تجاه الوطن العربي منذ عام 1945
أولاً:- السياسة التركية تجاه الوطن العربي… لمحة تأريخية
تتمتع موضوعة العلاقات التركية وسياسة تركيا تجاه العرب باهمية كبيرة فرضتها طبيعة تلك العلاقات والسياسات من جهة، والحقبة الزمنية الطويلة التي قطعتها تلك العلاقات من جهة اخرى، فبحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها على احتكاك مباشر بالمنطقة العربية، وبحكم امكاناتها وقوتها في بعض مراحل التاريخ استطاعت تركيا ان تفرض تأثيرها المباشر على المنطقة، من خلال الاحتلال العثماني للمنطقة الذي بدأ منذ اوائل القرن السادس عشر على يد السلطان سليم الاول، واستمر طيلة اربعة قرون، وهذا ما يفسر استمرار العرب بالتمسك بحبل الرابطة العثمانية حتى لحظة انهيارها الاخيرة مع اندلاع الحرب العالمية الاولى، فقد كانوا في كل مؤتمراتهم واجتماعاتهم حريصين على وحدة الدولة العثمانية، ولم تتعد مطالبهم الاصلاح الداخلي ومنح الولايات العربية الاستقلال الذاتي ضمن الدولة الواحدة، ولم يرفعوا ابداً لواء الانفصال قبل العاشر من حزيران 1916(1). ومع انتهاء الحرب العالمية الاولى انحسرت الدولة العثمانية الى الاناضول لتبدأ فلولها بقيادة مصطفى كمال اتاتورك حرباً وطنية تحريرية انتهت الى اعلان استقلال تركيا وولادة الجمهورية على انقاض الدولة العثمانية، في 29 تشرين الاول 1923 بزعامة مصطفى كمال اتاتورك. وقد انصبت جهود مصطفى كمال في هذه المرحلة على تخليص تركيا من المخاطر الخارجية المكتنفة بها والتأكيد على حدود معينة لتركيا وقد تكللت جهوده بالنجاح باعتراف القوى الغربية بالجمهورية التركية بحدودها الحالية والتي اصبحت عاصمتها أنقرة([1]).
لم تكن تركيا الحديثة امتداداً للدولة العثمانية، بل كانت دولة مختلفة تماماً، حيث الغيت الخلافة العثمانية، وفصل الدين عن الدولة والغي من دستورها النص القائل ((ان الاسلام هو دين الدولة واستبدل التشريع الاسلامي بالقانون المدني السويسري كما استبدل التقويم الهجري بالتقويم الميلادي واستبدلت الحروف العربية بالحروف اللاتينية)([2]). مما مثل عملية انسلاخ كلي عن الاسلام ورموزه يقابله محاولة مماثلة للتحديث والاندماج بالعالم الغربي، فما ان فرغ اتاتورك من تسوية شؤون البلاد الداخلية تنفيذاً للشعار الذي رفعه ((السلام في الداخل- السلام في الخارج)) حتى بدأ بمحاولات جادة للتقرب من العالم الغربي بهدف استقطاب اكبر عدد من الدول الغربية بجانب تركيا بما فيها الاتحاد السوفيتي واستطاع بواسطة تلك التوجهات ابعاد تركيا عن طابعها الشرقي ودمجها بالمدنية الغربية. مما أشر بدء عملية الانفصام في عُرى الرابطة العربية التركية.. حيث لم يكن لتركيا في المدة الواقعة بين 1923-1938 أي دور في تاريخ المنطقة العربية، كما لم تعرف العلاقات العربية التركية تعاوناً سياسياً او ثقافياً او اقتصادياً على نطاق واسع. ولم تعرف تركيا علاقات دبلوماسية خلال حكم اتاتورك إلا مع دولتين عربيتين لم تكونا مستقلتين تمام الاستقلال وهما مصر والعراق([3]).
ويمكننا ان نعزو الانقطاع في العلاقات العربية التركية في هذه الحقبة التاريخية الى مجموعة من العوامل نذكر منها:-
1. زوال رابطتين جمعتا العرب والعثمانيين لمدة طويلة هما الارض والخلافة، حيث انقطعت الرابطة الاولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة الدولة العثمانية، بينما ذهبت الرابطة الثانية بإلغائها في 3 آذار من جانب حكومة انقرة([4]).
2. انشغال كل من العرب والاتراك في تلك المدة بالمشكلات التي اسفرت عنها الحرب العالمية الاولى، بينما انشغلت تركيا بتركيز اوضاعها الداخلية تحت شعار ((سلام في الوطن، سلام في العالم)) انشغل العرب بالاوضاع الجديدة المترتبة على وقوعهم تحت سيطرة القوتين الاستعماريتين انكلترا وفرنسا([5]).
3. تناقض التوجهات بالنسبة للطرفين، ففي حين سيطر على اتاتورك تيار قومي استقلالي يتطلع الى انتزاع تركيا من بيئتها الاسلامية والتوجه بها الى الحضارة الاوربية، اتجه العرب نحو الاستقلال ومحاولة التوحد وبخاصة في المشرق العربي([6]).
4. لم تكن المنطقة العربية في تلك الحقبة تمتلك من المغريات ما يدفع تركيا للتقرب منها، فتجارة تركيا مع دول المنطقة كانت قليلة جداً، وكانت استراتيجيتها التنموية تهدف الى الاعتماد الذاتي بدلاً من الاعتماد المتبادل، وقبل ان يصبح الشرق الاوسط منتجاً للنفط، لم تكن المنطقة تنتج شيئاً مهماً تحتاجه تركيا في تلك الحقبة([7]).
5. التباس العلاقة بين العرب والاتراك خلال الحرب العالمية الاولى ثم ظهور مشكلتي الموصل والاسكندرونه فضلاً عن ردود الفعل السلبية على الغاء الخلافة، وقد ترك اثره على العلاقات العربية التركية آنذاك([8]).
6. النظرة العدائية التي طبعت العرب والاتراك بعد الحرب العالمية الاولى، حيث نظر الاتراك الى محاولة العرب الاستقلال عن الامبراطورية العثمانية كعمل خياني كبير([9]). بينما حمل العرب مسؤولية تخلفهم عن ركب الحضارة العالمية على السياسة العثمانية التي حرمت الاقاليم العربية من أية اعتمادات وتحويل تلك الاعتمادات الى انحاء اخرى من الامبراطورية([10]).
ولم تعد تركيا النظر في سياستها تجاه المنطقة العربية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث ازداد اهتمامها بالمنطقة الى درجة كبيرة اثر تنبهها لتوجهات الولايات المتحدة نحو المنطقة آنذاك، وقد تبلور ذلك من خلال اشتراكها مع كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة في مشروع قيادة الشرق الاوسط عام 151 الذي لم يدخل الى حيز التنفيذ نتيجة رفض الاقطار العربية الانضمام له.
لقد ارتبطت السياسة التركية تجاه الوطن العربي في تلك الحقبه بالمشاكل التي كانت تعيشها المنطقة العربية، وبخاصة الصراع العربي الصهيوني. اذ تراوحت مواقفها من القضية، من الوقوف الى جانب العرب في الأمم المتحدة ضد قرار تقسيم فلسطين عام 1947 الى الاعتراف القانوني الكامل بالكيان الصهيوني عام 1950 واعتبار تركيا في عداد الدول الغربية المعادية للعرب([11]).
وعندما جاءت حكومة عدنان مندريس الى السلطة 1950-1960 خطت خطوات اولية للتقرب من العرب والمسلمين، إلا ان هذه الخطوات كانت تصطدم بعقبتين اساسيتين هما علاقة تركيا (بإسرائيل) وخضوع تركيا لمخططات الغرب في الشرق الأوسط.
فمنذ انضمام تركيا الى حلف شمال الاطلسي([12])، نشطت في بناء تحالف اقليمي شرق اوسطي موالي للغرب من خلال اقامة حلف بغداد عام 1955 ليواجه النظام الاقليمي العربي المستند الى معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1952 وليكون اداة للتصدي للدول التقدمية في مصر وسوريا آنذاك، والالتفات على منابع النفط فضلاً عن الغاية الاساسية منه المتمثلة في احكام الطوق حول الاتحاد السوفيتي السابق، ودول المنظومة الاشتراكية، كما شهدت هذه المرحلة ايضاً حشد تركيا قواتها على الحدود السورية للضغط على سوريا التي كانت تنادي بالوحدة مع مصر كذلك وقفت ضد الثورة الجزائرية عام 1958، حين عرضت قضيتها في الأمم المتحدة وكانت قد عارضت قبل ذلك تأميم مصر لقناة السويس عام 1956 وسمحت للولايات المتحدة باستخدام قاعدة انجرليك التركية لنقل قواتها الى لبنان عام 1958([13]).
لقد كان من نتيجة تراكم تلك المواقف ان وقفت معظم الدول العربية بالمقابل الى جانب سياسة الرئيس القبرصي مكاريوس اثناء حوادث قبرص الدامية في الاعوام1962-1963 وقد تزامن الموقف العربي من القضية القبرصية مع تخلي الولايات المتحدة والغرب عن تركيا، مما دعا القادة الاتراك الى اعادة النظر في سياستهم الخارجية وبخاصة مع الدول العربية وهذا ما اتضح من خلال مواقفها من القضايا العربية منذ عام 1967، فقد مثلت حرب 1967 اختباراً للتوجهات التركية تلك حيث وقفت تركيا مع العرب في الأمم المتحدة وايدّت انسحاب (إسرائيل) من جميع الاراضي التي احتلتها بالحرب، كما وقفت موقفاً ودياً من العرب في حرب 1973، وبالمقابل وقفت بعض الدول العربية الى جانب تركيا بعد تدخلها عسكرياً في قبرص عام 1974، كما تركت المساعدات المقدمة من السعودية وليبيا والعراق الى القطاع التركي في قبرص اثرها في الرأي العام التركي، وعززت تركيا من توجهاتها تلك من خلال انضمامها الى منظمة المؤتمر الاسلامي في عام 1975 واقامتها علاقات دبلوماسية مع الامارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وعمان 1976-1978، فضلاً عن اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1979([14]). وانسحب الوضع نفسه على سياسة تركيا تجاه الوطن العربي في فترة الثمانينيات لرغبة تركيا في فتح اسواق جديدة لها بسبب الازمة الاقتصادية التي تمر بها وبسبب المد الاسلامي داخل تركيا([15]).
ولم تستمر السياسة التركية بمسارها هذا، حيث شهدت منتصف الثمانينيات العديد من المتغيرات التي دفعت تركيا لاعادة صياغة سياستها على نحو يضعها في اطار المعسكر الغربي، كتراجع اسعار النفط، وضغط الجيش التركي على الاحزاب لتعزيز علاقة تركيا بحلف الاطلسي ووضعها في اطار الاستراتيجية الامريكية([16]).
ثانياً:- المتغيرات المؤسسة للسياسة التركية تجاه الوطن العربي
بنيَّت السياسة التركية تجاه الوطن العربي على الكثير من المتغيرات التي أشرت سلباً وايجاباً على علاقاتها معه جوانبها الصراعية والتعاونية في آن معاً ومنحت تلك العلاقات شكلها ومظهرها الذي تقوم عليه في الوقت الحاضر، حيث قامت تلك المتغيرات بلعبِ دورٍ مزدوج في تأسيس السياسة التركية تجاه الوطن العربي، فتارة شكلت عامل دفع باتجاه تعزيز اسس التعاون العربية التركية وتارة اخرى كانت عاملاً مباشراً في تعزيز الصراع بينهما، وفقاً لما تعززه الظروف الدولية والاقليمية المحيطة بتلك العلاقات.
ولا يمكننا ونحن نستعرض المتغيرات للسياسة التركية تجاه الوطن العربي نكرات المتغير الديني والدفاع عنه، وتاريخ الدولة العثمانية زاخر بالمواقف والشواهد على ذلك، وبالرغم من حدة التيار العلماني الذي استندت اليه الثورة الكمالية وتابع حلفاء اتاتورك ترسيخه وتوسيع جذوره اضطرت بعض الحكومات التركية الى اعادة التعامل شيئاً فشيئاً مع التيار الديني الشعبي، حتى وجدت تركيا ان من مصلحتها ان تنضم الى منظمة المؤتمر الاسلامي([17]).
وتأتي قوة الاتجاه الاسلامي في تركيا في كون الاحزاب السياسية التركية تعتمد اعتماداً كبيراً في الانتخابات على الجماعات الاسلامية الى درجة نرى ان احزاباً كبيرة برامجها علمانية لكن مواقفها اختلفت عن هذه البرامج([18]). حيث بدأت هذه الاحزاب بتقديم تفسير جديد لمفهوم العلمانية، يعد مغايراً ومتناقضاً مع الدساتير التركية لعام 1924-1961 ،1982 وقانون العقوبات التركي. فالعلاقة العضوية الفاعلة بين الاحزاب السياسية التركية والرأي العام الاسلامي التركي والمتضمنة قدرة الاخير على تغيير نتائج الانتخابات تفسر توجهات تلك الاحزاب([19]). خصوصاً وان المجتمع التركي يشكل مجتمعاً متجانساً مذهبياً – اغلبية سنية- مما ساهم في عدم انشقاق الاتجاهات الاسلامية. وساعد على احتفاظ الشعب التركي بطابع اسلامي على الرغم من انقضاء مدة زمنية طويلة على تبني العلمانية في تركيا أي منذ عام 1924([20]).
ويعد المتغير الجغرافي متغيراً آخر يلعب دوره في تأسيس السياسة التركية تجاه العرب، اذ تعد تركيا اكثر نماذج الدول التي تعكس سياستها الخارجية تأثراً بموقعها الجغرافي، هذا الموقع الذي شكل جسراً يربط بين اوربا وآسيا ويغطي ضفتي البسفور والدردنيل اللذين يمتازان باهميتهما الستراتيجية مما جعل من تركيا في الوقت نفسه، دولة أوربيه واسيويا، وبلقانيه وقوقازيه وشرق اوسطية، وتنتمي الى مجموعة دول البحر الاسود ومجموعة دول البحر الابيض المتوسط كما انها احدى دول العالم التركي الجديد واحدى دول العالم الاسلامي([21]). ويمنح هذا الموقع تركيا دوراً اقليمياً مميزاً بوصفها الجسر الذي يربط بين الغرب والعالم الاسلامي وخصوصاً في المشرق العربي، حيث سعت تركيا من خلال موقعها الجيوبوليتكي هذا الى ربط دول المنطقة العربية بالمصالح الغربية وبالسياسة الأمنية لحلف شمال الاطلسي، وتدعيم المصالح الاستراتيجية الأمنية الامريكية في المنطقة العربية([22]).
أما بالنسبة للمتغير الاقتصادي فقبل السبعينيات كان تفاعل تركيا الاقتصادي مع دول المنطقة ثانوياً نسبياً، وقد عنى ذلك ان هنالك ميادين قليلة في السياسة الاقتصادية كانت تعد مجدية للطرفين، وكان اهتمام تركيا بالأمن في المنطقة هو القوة الدافعة لسياستها المتشددة بالنسبة للمنطقة العربية، وكان لهزة 1973 النفطية اثرها في اعادة تركيا النظر في استراتيجيتها الاقتصادية للاستفادة من الفرص الجديدة المتاحة بفضل ارتفاع القوة الشرائية لدى الدول النفطية العربية([23]). وشهد النصف الاول من الثمانينات ذروة التفاعل الاقتصادي بين تركيا والدول العربية النفطية حيث ارتفعت صادرات تركيا للعراق مثلاً مليون دولار عام 1981 الى 1451.1 مليون دولار عام 1988 ومن 187.4 مليون دولار بالنسبة للسعودية الى 477.6 مليون دولار عام 1988 حيث كان هذين البلدين في المرتبة الاولى في سلم الصادرات التركية خلال اعوام الثمانينيات، اذ بلغ مجموع الصادرات التركية الى العراق في الفترة الواقعة بين 1981-1988 حوالي 6335.5 مليون دولار وحوالي 2961.7 مليون دولار الى السعودية.
أما بالنسبة لواردات تركيا من الدول العربية ولنفس الفترة فكان للعراق وليبيا والسعودية على التوالي الحصة الاكبر، اذ بلغ مجموع واردات العراق وحده 9101.0 مليون دولار تتبعها ليبيا 4448.6 مليون دولار، ثم السعودية 2072.4 مليون دولار([24]). علماً بان اغلب الصادرات العربية كانت الحصة الاكبر فيها للنفط.
وبالمقابل كان هناك العديد من المتغيرات التي اسهمت في وضع العقبات امام تطور العلاقات العربية التركية، والتي كانت نابعة من الأسس التي قامت عليها السياسة التركية تجاه المنطقة العربية ككل ومن هذه المعيقات نذكر ما يلي:-
أ. تركيا كأداة للدفاع عن المصالح الغربية في المنطقة (تركيا والاحلاف الغربية)
إزاء التهديدات السوفيتية المستمرة لتركيا ومطالبها المستمرة باستعادة قارص واردهات اللتين تم التخلي عنهما لتركيا في معاهدة موسكو 16 آذار عام 1921، وتعديل ميثاق مونترو([25]) والمتعلقة بالمضائق التركية البسفور والدردنيل اندفعت تركيا نحو الغرب وخاصة الولايات المتحدة الامريكية مما وضع تركيا نفسها في خضم العلاقات الصراعية للقطبين، اذ حاول الغرب بعد الحرب العالمية الثانية ان يستخدم تركيا كجسر لخططه في الحرب الباردة خصوصاً بعد ان تنبهت الولايات المتحدة التي تزعمت المعسكر الغربي الى أهمية تركيا وموقعها الستراتيجي المتحكم بالمضايق الموصلة بين دول البلقان ومنطقة الشرق الاوسط الغنية بالنفط وبقدراتها العسكرية واستقرار اوضاعها الداخلية التي تمكنها من صد أي زحف سوفيتي باتجاه المياه الدافئة([26])، وكونها من اكثر الدول الشرقية ميلاً للغرب وتشبثاً بأنظمته وقوانينه مما يمكنها من القيام بدور المنفذ لسياستها في هذه المنطقة. ويعد مبدأ ترومان([27]) المظلة الاساس للتحالف التركي الامريكي اذ اصبح التحالف مع الولايات المتحدة بالنسبة لتركيا من الاهداف الحقيقية لسياستها الخارجية بعد ان تولدت قناعة لدى القادة الاتراك مفادها ان مشكلة تركيا الاقليمية المتضمنة – موقعها الجغرافي وقربها من الاتحاد السوفيتي السابق- لا حل لها دون توحدها مع حلف الناتو وتعميق ارتباطاتها الغربية([28]). سعت جاهدة لبلورة هذه القناعة الى واقع ملموس من خلال زيادة ارتباطاتها بحلف شمال الاطلسي والولايات المتحدة الامريكية وأوربا الغربية، وكيفت سياساتها لتحقيق الاهداف العامة للحلف باعتباره الدعامة الاساسية لأمنها القومي([29]). وبما انها كانت تنظر للمنطقة العربية على انها ((ثغرة في خط الدفاع الغربي))([30]) فإنها سعت لضمان حرية المنطقة من النفوذ السوفيتي من خلال ادخالها في شبكة من الاحلاف الغربية لخفض أي خطر محتمل من ذلك الاتجاه([31]) ومن هذه الاحلاف مشروع قيادة الشرق الاوسط عام 1951([32]) الذي أرادت تركيا من وراءه تحقيق مجموعة من الاهداف من بينها([33]):-
1. تنفيذ مخططات ومصالح الغرب في الشرق الاوسط، حيث وجدت الدول الغربية بان تركيا قريبة جداً من الاقطار العربية ومن الممكن في هذه الحالة ان تقوم بدور المنفذ لسياستها في هذه المنطقة.
2. التزام تركيا بان تتحمل وزناً اقوى في الشرق الاوسط، كونها اعتبرت نفسها من القوى الرئيسة في المنطقة.
3. محاولتها استمالة عطف الشعب العربي سيما وان اواصر العلاقة بينها وبين الوطن العربي قد انقطعت منذ قيام الحرب العالمية الاولى من خلال ضم تلك الدول في نظام دفاعي اقليمي يشبه الالتزام بحلف شمال الاطلسي، ويبدو ان الولايات المتحدة الامريكية ارادت من تركيا ان تكون صلة الربط بين حلف الاطلنطي وحلف الدفاع المشترك المزمع انشاؤه في الشرق الاوسط يمده ويغذيه حلف شمال الاطلسي.
ولم يكتب لهذا المشروع النجاح بسبب الرفض المصري خصوصاً والعربي عموماً له وذلك للأسباب التالية([34]):-
1. ان الدول العربية ستصبح قواعد عسكرية للقوات الامريكية والفرنسية والتركية بالاضافة الى القوات البريطانية الموجودة فيها آنذاك.
2. ان اشراك (إسرائيل) في هذه القيادة معناه الاعتراف بواقع (إسرائيل) وهو امر لا يقره العرب.
ورغم ذلك فقد نجح الغرب في احياء منظمة قيادة الشرق الاوسط في مستهل عام 1955 من خلال انشائه لحلف بغداد، ونتيجة لفشل بريطانيا والولايات المتحدة في جر مصر الى سلسلة الاحلاف الغربية في المنطقة اتجهت تلك القوى هذه المرة نحو العراق تدفعهم مجموعة من العوامل منها([35]):-
1. المكانة التي يتمتع بها العراق بين الاقطار العربية الاخرى.
2. الميزات التي يحملها وتضاعف اهميته الاستراتيجية بسبب وقوعه على منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط وتزايد انتاجه النفطي.
3. ميل كبار الساسة العراقيين وعلى رأسهم نوري السعيد نحو الغرب لالتقاء مصالحهم واهدافهم مع مصالح الغرب واهدافه.
لقد كان الهدف الاساسي من الحلف هو انشاء خط للشمال يربط الناتو بمعاهدة جنوبي شرقي آسيا عبر عضوية الباكستان وتركيا في تحالفٍ واحد([36]).
لقد كان سعي تركيا لايجاد حلف مع العراق يستهدف تحقيق ما يلي([37]):-
1. ايجاد ميدان جديد للاستفادة من المعونات العسكرية الغربية.
2. تعزيز مكانتها ونفوذها بين الاقطار العربية.
3. اشراك العراق معها في التصدي لخطر الزحف الشيوعي المحتمل الذي يتهدد تركيا ودول المنطقة المتاخمة للاتحاد السوفيتي.
4. ضمان تأمين وارداتها عبر العراق والخليج العربي في حالة انقطاع إمداداتها في زمن الحرب عن طريق موانئها في البحر المتوسط وجعل العراق عمقاً استراتيجياً لتركيا في تصديها للزحف السوفيتي المحتمل وامتداد النفوذ الشيوعي في المنطقة. وقعت كل من تركيا والعراق على محضر اتفاق حلف بغداد في 24 شباط عام 1955، وقد انضم الى عضوية الحلف كل من بريطانيا في نيسان 1955 والباكستان في ايلول عام 1955 وايران في تشرين الثاني عام 1955([38]).
لقد كان الهدف الاساس من وراء قيام الحلف هو بناء حزام أمني ضد المد الشيوعي يتكون من عدد من دول الشرق الاوسط العربية إلا ان الحلف لم ينجح في التوسع واضمحل تدريجياً نتيجة انسحاب الدول المكونه له تدريجياً من الحلف، اذ ساهمت الخلافات بين اعضاء الحلف، والستراتيجية الجديدة التي اتبعها الاتحاد السوفيتي السابق في الشرق الاوسط المتضمنة اقامة علاقات حسن الجوار والتعاون المتبادل مع تركيا وايران من جهة وتقوية اسطوله في البحر المتوسط في تخفيف حدة حماس كل منهما الى الحلف، كما كان لتوجه باكستان للتعاون مع الصين الشعبية بسبب صراعها مع الهند اثره في أن تأخذ مشاركتها في الحلف طابعاً شكلياً([39]).
أما بالنسبة لمبدأ ايزنهاور فقد جاء نتيجة مباشرة للعدوان الثلاثي على مصر اثر اعلان عبدالناصر في 1956 تأميم قناة السويس، اذ خشيت الولايات المتحدة الامريكية من ان يؤدي غياب النفوذ البريطاني الفرنسي اثر العدوان الثلاثي على مصر الى الاضرار بمصالح الغرب وبالتالي ازدياد النفوذ السوفيتي وتعرض الانظمة العربية الموالية للغرب الى خطر السقوط، وبناءاً عليه تقدم الرئيس الامريكي آيزنهاور بطلب الى الكونغرس في 5 كانون الثاني 1957 يتضمن تخويله الصلاحيات اللازمة لتقديم مساعدات لأي دولة في الشرق الاوسط تطلب هذه المساعدات وحق استخدام القوات المسلحة الامريكية في المنطقة حين يقتضي الامر ذلك، وقد وافق الكونغرس على هذا المشروع الذي دخل حيز التنفيذ في 19 اذار 1957([40]).
وبعد اعلان المبدأ بفترة قصيرة اجتمع رؤوساء وزراء كل من تركيا وايران وباكستان والعراق في انقرة في 19 كانون الثاني 1959 وقد رحبوا بالمبدأ من اجل مجابهة الخطر الشيوعي والمحافظة على الرفاهية الاقتصادية، كما اعتبروا هذا المشروع علاجاً لمواجهة المواقف الخطيرة في المنطقة([41]). وقد كان لتركيا دور هام في مساندة المشروع استجابة لطلب الولايات المتحدة، فقد اتفقت كل من الحكومتين على مواصلة التعاون لتحقيق اهداف المشروع في المنطقة بتعزيز استقلال تلك الدول في مواجهة الخطر الشيوعي واتخاذ الاجراءات الكفيلة بردع أي هجوم على أي من هذه الدول من جانب دولة اخرى تخضع لنفوذ الشيوعية الدولية([42]). واستناداً الى هذا المبدأ قامت تركيا بتحشيد جيوشها على الحدود السورية تضامناً مع الولايات المتحدة التي قام اسطولها بمناورة على سواحل سوريا في 18 تشرين الاول 1957 اثر اتهامها للأخيرة بزيادة تسليحها من قبل الكتلة الشرقية وشعور جيرانها بالتهديد نتيجة ذلك التسليح([43]).
- يتبع-
No comments:
Post a Comment