Wednesday, 5 October 2011


 
شبكة الصداقة العراقية في المانيا
الأفكار*المتضادةOpposites Thoughts
د .عباس حنون الأسدي\أختصاص علم النفس المعرفي
قد يقاس تقدم الدول بدرجة امتلاكها للتقانة الحديثة، ومن يدير هذه التقانة من عقول، وما سبق إن تمكنت تلك الدول من ابتكاره وتطويره من خلال أفكار غير مسبوقة، أو تحوير واستثمار أفكار الآخرين.
والتنافس شديد بين المستثمرين من اجل إشباع حاجات الإنسان المتنوعة والمتزايدة بالاعتماد على أفراد متخصصين يدرسون حاجات الناس، ويخططون لها، مما يعني أفكار جديدة، وطرائق لتجسيدها على ارض الواقع.
وحظي التفكير بشكل عام باهتمام كبير ومتزايد من المختصين بمختلف العلوم، وعلم النفس بالتحديد، ولكن نالت الأفكار غير الاعتيادية اهتمام عدد كبير من مختلف مجالات الحياة بسبب الحاجة الملحة إلى تجاوز مشكلات غير اعتيادية، وتقديم ما يمكن من إجابات عن كثير من التساؤلات المطروحة في مختلف المجالات.
ومن أهم سمات عصرنا الحاضر انه عصر التقانة المتطورة، فهي توجه الحياة بطريقة جديدة تتناسب مع تزايد حاجات الناس إلى وسائل وأدوات تسهل من تجاوز مشكلاتهم اليومية، وتسهل التواصل فيما بينهم، وما تلك الأدوات إلّا نتاج لجهود أفراد، أو جماعات شكلوا جهدا مترابطا يستهدف إيصال ما هو نافع ومفيد إلى يد المواطن بجودة عالية وسرعة فائقة.
وربما كان العلم والتقنية سببا في تطوير حياة الإنسان إذ اختصرا المسافات بين أجزاء العالم، وتطورت وسائل الحياة بشكل غير مسبوق، ولعب التفكير دورا مهما في الوصول إلى ما نحن عليه الآن من تقدم وازدهار.
إن التفكير يهيئ الإنسان لمواجهة مشكلاته اليومية والمستقبلية والإعداد لها، وكأن هناك خطة أو خطط معدة للاستخدام وقت الحاجة لحل أي مشكلة قد يواجهها الفرد، أو المجتمع، ويعتمد هذا على أشخاص يستطيعون الوصول إلى عدد كبير من الحلول بفضل ما يملكونه من قدرات عقلية متنوعة تساعد في عملية تجاوز المعضلات وحلها، من خلال تجاوز الواقع المطروح، ومحاولة اكتشاف علاقات جديدة، أو معروفة ولكنها مهملة، أو لم يرّكز عليها وتصور علاقات بين الأشياء بطريقة لم تكن متوافرة، وإدراك الأمور، وفهمها والحكم عليها بطريقة ما يظنه الآخرّ الذي يغيب عن مجال عقولنا، فأغلب الناس يفكر بطريقته، وما يظنّه صواباً، ويغيب عليه ما يفكّر به الآخرون.
وبصرّف النظر عن التغيرات التي تطرأ على أساليب عمل الإنسان فإن التفكير في الحاضر والمستقبل سيظل الدعامة الرئيسة في نجاح أي جهد بشري، إذ لا يعود الفضل في نجاحات العلم الحديثة فيها إلى الإنسان المفكّر فقط، بل إلى الإنسان المدرّك والمحللّ، الذي يمكنه تجاوز الواقع والتحليق في سماء صافية. 
وتجدر الإشارة إلى ندرة الأبحاث، والدراسات العربية في مجال الأفكار المتضادة على الرغم من أهمية ذلك، وإلى ضعف اهتمام كثير من المؤسسات التربوية بالتفكير عموما، وتنميته، ورعايته. بينما تشهد بعض أجزاء العالم ثورة علمية في مختلف المجالات، جعلته يتسم بالتسارع المذهل في التفكير والأفكار وهما من أهم سمات القرن الحادي والعشرين إذ أصبح التفجرّ المعرفي علامة فارقة للعصر الراهن، وتحول إلى سلاح يفرض سيطرته على المجتمعات نظرا لما تتسم به المعرفة من قدرة على الانتشار، وتخطّي الحدود.
وإذا كان التفكير يحظى بأهمية كبرى ودور حاسم في مواجهة مشكلات الحياة وحلها فانه قاد المجتمعات إلى تفوق واضح في المجالات كافة، إذ استثمرته بعض الدول بشكل واضح في تطلعاتها، وأثبتت إن لديها من يستطيع أن يتصور، ويفكر، ويضع ما يتصوره ويفكر فيه على ارض الواقع، وهذا ما يبرّز الحاجة إلى البحث عن مفكرين ممن لديهم قدرة تجاوز الواقع والتحليق في فضاء واسع، ورحب، وقدرة تنفيذ ما يفكرون به، أو مشاركة من يفكر من خلال تطبيقه على ارض الواقع، من اجل مسايرة ركب الدول المتطورة، فما زلنا نعاني من صعوبات وعراقيل تحول دون تقدمنا وتؤثر بقوة في تعطيل تحركنا من اجل مستقبل أفضل كغيرنا من المجتمعات، وذكرّ كلارنس فيلدمان Clarens Feldmanإن كل فرد مفكر، ومحلل بصرّف النظر عن سنه، أو جنسه، أو عرقه، أو تعليمه، فهناك الكثير من الأفراد لديهم أفكار يمكن أن تطبق على ارض الواقع، ولكنهم لا يعرفون كيفية تحويل هذه الأفكار إلى أشياء حقيقية، واغلب الأفراد لا يملكون المنهجية الصحيحة لتحويل أفكارهم إلى مكتسبات.
وذكرّ اينشتاين: (إن كثيرا ما تكون صياغة مشكلة ما أكثر أهمية من حلها الذي يكون مجرد مهارة رياضية، أو تجريبية. أما طرح تساؤلات، واحتمالات جديدة، والتمعن في حلول مشكلات قديمة من زوايا جديدة فإنه يتطلب خيالا براقا، ويبشر بتقدم حقيقي على مستوى التفكير).
       ومن خصائص الإنسان المميزة نزوعه نحو حلّ المشاكل، وقدرته المتزايدة في ذلك، ويُعرّف بعض الأشخاص بقدرتهم على طرح أسئلة من شأنها أن تملأ فجوات قائمة بين ما يعرفونه، وما لا يعرفونه، وظهر الاهتمام بموضوع حل المشكلات في بدايات القرن العشرين من خلال أعمال العديد من علماء النفس، ولكن جون ديوي اشترط في كتابه (كيف نفكر) توافر معايير للمشكلات التي تستحق الانتباه إليها ومنها (استخدام مشكلات تثير الشك لدى الأفراد، وتتطلب البحث، والاستكشاف للوصول إلى حلول ممكنة، وطرح مشكلات ذات أهمية للأفراد والمجتمع.
وتتطلب إستراتيجية حل المشكلات عمليات ذهنية بمستويات مختلفة، وتوافر خبرات ملائمة للتفكير، وفرص للتفاعل بين الفرد، والمواقف الضاغطة.  والمشكلة عبارة عن موقف ضاغط يواجه الفرد، ويتطلب حلا، ولكن لا يتيسرّ تعرّف الطريق المؤدي للحل بصورة مباشرة، ويمكن حل المواقف اليومية بصورة تقليدية، وبطريقة غير واعية Subconsciously  دون أن يضطر الفرد إلى تثبيت ملاحظات صورية للإجراءات التي حققت له الحل المناسب.
إن إدراك طرائق حل المشكلات، واستراتيجياتها يصبح أكثر وضوحا عندما يسافر الفرد إلى خارج حدود البيئة التي يعيش فيها، إذ تشخص أمام عينيه حقيقة ضعف تطابق أسلوب حياته اليومي، وعاداته السلوكية مع الحالة الجديدة، فتبرز عندها أهمية التوافق الواعي مع طرائق جديدة من أجل تحقيق أهدافه، وتجاوز المواقف الضاغطة. وكثير مما نفعله يرتكز إلى الخبرة القبلية Prior Experience  مما يدعو إلى تغيّير في أسلوب التعامل، وطرائق المواجهة مع المواقف، والتنبيهات الجديدة. 
وعرف جيتس Geats وآخرون حل المشكلة بأنه حالة يسعى من خلالها الفرد الوصول إلى هدف يصعب الوصول إليه بسبب ضعف وضوح أسلوب الحل، أو صعوبة تحديد وسائل تحقيق الهدف، وطرائقه، أو بسبب عقبات تعترض هذا الحل وتحول دون وصول الفرد إلى ما يريد.
وعرف جانيه Ganea حل المشكلة بعملية تفكير يتمكن من خلالها الفرد من اكتشاف الرابط بين قوانين تم تعلمها مسبقا، ويمكن أن يطبقها لحل مشكلة جديدة، فهي تؤدي إلى تعلم جديد.
وبين جيلهولي Jelholi إن مهارة حل المشكلات عبارة عن نظام يتكون من قاعدة معرفية تحتوي على معارف، ومعلومات حول المشكلة، ثم تحويل هذه المعرفة إلى طرائق، وأساليب، ومن ثم خطة عمل، لاختيار أنسبها للحل، وتقويم هذه الطريقة في النهاية.
وبين روبنشتاين Robinstien إن المشكلة تنشأ عندما يدرك الفرد حالة غير مرغوب فيها تدفعه إلى تجاوزها، وهدف يرغب في تحقيقه، ومجموعة إستراتيجيات يلجأ إليها للانتقال من الوضع الراهن إلى الوضع المنشود.
إن المفتاح في حل المشكلات يكمن في القدرة على التحكم بالمشكلة، لذا فمن الطبيعي، بل من المرغوب فيه، أن يحدث الفرد نفسه من دون إصدار أصوات قبل محاولة اتخاذ القرارات، وهي محاولة ذاتية للتحكم بعملية حل المشاكل، ولكي يكون الفرد متمكنا في عملية التحكم لابد من تعرّف المفردات الضرورية للبحث الموجه، بحيث يستطيع اختيار المنهج الصواب ومتابعته، ومراقبة إجراءات تنفيذه، وهناك مجموعة قرارات ممكنة للتحكم بالمشاكل لابد من أخذها بنظر الاعتبار وهي:
1. قرارات طائشة Thoughtless Decisions وتؤدي إلى دفع الموقف الضاغط باتجاهات مبعثرة، ولا ترتكز إلى أية خبرات، أو معرفة مسبقة.
2. قرارات نافذة الصبر Impatient Decisions وتؤدي إلى إيقاف المشكلة كليا، أو إبقاء حلول المشكلة بدون اتجاه محدد.
3. قرارات بناءة Construction Decisions وتتضمن مراقبة التحكم بالموقف الضاغط بعناية عند توظيف المعرفة، والمهارات بطريقة ذات أهداف واضحة، واستخدام طرائق حلول مضبوطة، وصائبة، وتجنب تلك التي لا تملك فرص النجاح.
4. قرارات إجرائية Immediate Procedure Decisions وتتطلب قدرة من التحكم بالموقف كونها تحتاج إلى طريق الحل المناسب المختزن في الذاكرة طويلة الأمد.
5. غياب القرارات No Decision وتنشأ عندما تكون هناك مشكلة معقدة، ومحيرّة ولا تنفع المعرفة، ولا الخبرة السابقة في معالجتها.
       وأمكن التوصل إلى مقارنة بين الأفراد الذين يقومون بحل المشكلات بطريقة عادية، وغيرهم ممن اكتسبوا خبرة معالجة المشكلات بطريقة الأفكار المتضادة على وفق الآتي:
1. الأفراد العاديون: (يركزون على ما يفهمونه فقط، يدركون بعدا واحدا من أبعاد المشكلة، ونسيان الباقي، يتعاملون مع مكونات المشكلة كما لو كانت واضحة، مع إن فيها كثير من الغموض، قدرة متواضعة في صياغة المشكلة بمفردات جديدة، يركزون على الجوانب الفرعية منها، ويغفلون المهم، أو المحوري، ضعف ربط الواقع الحالي، بما سيكون عند اتخاذ القرار بحل المشكلة، يدعّون توافر الخبرة وتراكم التجربة من دون تحديد مستوى معين من المهارات).
2. أصحاب الأفكار المتضادة: (يلمّون بالمشكلة، ويتقصون جوانبها، وحتى التي أدركوها، ويدركون أبعادها، وجوانبها، وعمقها، وما يترابط معها، يتعاملون بمتغيرات المشكلة المتعددة، والمتباينة، وينظرون إليها بطريقة تحليلية، مع ربط الجوانب مع بعضها، يركزون على كل شيء، وحتى المهمل، أو الذي لا يثير الانتباه، يتعاملون مع عدد كبير من البدائل، ويدركون وزن كل بديل، وما ستؤول إليه الأمور عند تطبيقه، وقدرة الربط بين المعطيات المتاحة والتحرر منها في الوقت نفسه والانطلاق والتحليق خارج حدود البيئة المحيطة، الخبرة المتراكمة في معالجة المشكلات، والبحث المتواصل عن أفكار الطرف الأخر، وما قد يقوم به عند مواجهة مشكلة مشابهه.
أنواع المشكلات:
1. المشكلات جيدة التحديد مقابل المشكلات سيئة التحديد Well defined Problems – III well defined   فالمشكلات جديدة التحديد واضحة، ولها استراتيجيات وقواعد حل، ويمكن التأكد من صواب الحلول، بينما المشكلات سيئة التحديد ليس لها حلول واضحة، ولا توجد استراتيجيات، أو قواعد محددة يمكن الرجوع إليها لحل مثل هذه المشكلات. 
2. المشكلات الندية مقابل المشكلات غير الندية Adversary – Nonadversary Problems فالمشكلات الندية تتطلب منافسة بين شخصين أو أكثر في إيجاد الحل، أو تحقيق الفوز، بينما المشكلة غير الندية لا تتطلب المنافسة بين أطراف معينة لا يجاد حل لها.
3. المشكلات القابلة للحل مقابل المشكلات غير القابلة للحل Potentially Solvable.- Nonsolvable Problems والمشكلات القابلة للحل تلك التي يمكن إيجاد حلول محتملة لها مهما بلغت درجة صعوبتها وتعقيداتها، بينما المشكلات غير القابلة للحل تلك التي يصعب بل يستحيل إيجاد حل مناسب لها.
 
نماذج لحل المشكلات:
1. أنموذج جون ديوي John Dewy 1916 1938م:
عرف جون ديوي المشكلة بأنها أي شيء يثير الشك، وضعف التأكيد. والمشكلة التي تستحق التفكير لها معياران جديان هما (يجب أن يكون لها أهمية في ثقافة المجتمع، وان يكون لها أهمية عند الفرد) ويتعلم الفرد من خلال البحث، وجمع الأفكار، ومعالجة المعلومات، ومن ثم تجريب الأفكار عمليا كيفية الوصول إلى حل المشكلات.
2. أنموذج بارنز Parnes 1967م:
وأعتمد التفكير بنمطيه الناقد والإبداعي، وحل المشكلات الإبداعي Creative Problems Solving. وله خطوات محددة هي إيجاد الفوضى* Mass Finding، إيجاد البيانات Data، إيجاد المشكلة Problem، إيجاد الفكرة Idea، إيجاد الحل Solution، إيجاد القبول Acceptance.
3. أنموذج براندسفود Prandsfod وشتاين Stein 1993م:
وأكد على تعرف المشكلة المحتملة، وتحديدها، واكتشاف خيارات، أو طرائق للحل، والتفكير الناقد للحل، ومتابعة النتائج وتقويمها.
4. أنموذج كالافر Gallagher وجونسون Johnson 1998م (البناء في التصميم والتنفيذ):
واستخدم في مجال الطب أولا، وتم تعميمه على برامج تدريب الموهوبين، ويؤكد على أهمية إن الفرد مسؤول عن تعليم نفسه، ومهما كانت المشكلات غامضة ففيها نقاط واضحة، ويتحدد دور الفرد في كشف جوانبها المختلفة، مع الحاجة المتزايدة للمعرفة، ودورها في تحليل المشكلات.
5. أنموذج كراثول  Krathwohl، وبلوم  Bloom، وأندرسون Anderson (توظيف مهارات التفكير المركبة) 2000م:
وأكد على تحليل ماهية المشكلة الحقيقة، وترابط مفاهيمها، وتقويم الاستراتيجيات البديلة المطلوب تنفيذها، وهل هناك استراتيجيات أخرى ممكنة التطبيق، وما هي خطة العمل المطلوبة.
 
6. أنموذج باير Beyer 2000م:
ويسير على وفق خطوات متسلسلة، ويعتمد على مهارات التفكير المتنوعة في حل المشكلات، وهي تعريف المشكلة، وتحديدها، ووضع خطة للحل، واختيار الحل المناسب، وتجريب وتنفيذ الحل، وتقويم الحل.
وطريقة الأفكار المتضادة قفزة ناجحة نحو المجهول، والابتعاد عن المسار المألوف والشائع، وتفاعل مع مختلف أنواع الخبرات، وطريق لمرور أفكار، وعلاقات لم تكن بالحسبان. وهي تمثيل داخلي للأحداث والوقائع والأشياء الخارجية. وهي عملية تفكير مركبة تتضمن استخدام معظم مهارات التفكير بنمطيه الإبداعي، والناقد على وفق خطوات منطقية متعاقبة ومنهجية محددة بهدف التوصل إلى أفضل الحلول للخروج من مأزق أو وضع مقلق باتجاه هدف مطلوب أو مرغوب.
وظهرت الحاجة للتفكير بطرائق جديدة في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم جرّاء النشاط المكثف الذي شهده علم النفس المعرفي الذي أدى إلى اكتشاف مجموعة من أساليب البحث العلمي التجريبية والنماذج النظرية التي استطاعت اكتشاف بعض حقائق عملية التفكير وانتظامها في إطار خطة عمل لنظرية نفسية متماسكة.
ويتميز الأفراد عن بعضهم البعض بالطاقات التي يستخدمونها في التفكير، فمنهم من يستخدم أعلى طاقات الدماغ، ويمثلون فئة قليلة قياسا بغيرهم، وأغلبهم ضمن الإطار العام وهؤلاء الفئة الأعم.
ويميل مستخدمو طريقة الأفكار المتضادة إلى مقاربة العالم بطريقة أصيلة وحقيقية لا يشوبها التحامل والآراء المسبقة، فالأشياء، والأوامر، والقواعد النمطية تظهر فقط للأشخاص البسطاء في طريقة تفكيرهم مما يولد لديهم رؤية مقبولة للعالم، ولكن هذه الرؤية لا يقبلها مفكري الأفكار المتضادة، فهم منفتحون على مختلف التجارب والثقافات مما يتيح ملاحظة الأشياء التي لا يتمكن الآخرون من ملاحظتها، ويستمتعون بالمغامرة، ويميلون إلى اكتشاف الآخر، ويتجاوزون القواعد المفروضة من الخارج، ويحاولون تطبيق ممارساتهم الخاصة المستمدة من واقع خبرتهم وممارساتهم، التي ينفردون بها عن غيرهم مما قد يولد مشاعر بالوحدة أو العزلة، وإلى تشتت الهوية، أو الاغتراب النفسي، وهي خصائص تتفاعل لتقود إلى رؤية جديدة، وتكريس النفس للعمل، وربما تكون في اغلب الأوقات كل ما يهتم به هؤلاء الأشخاص في حياتهم اليومية.
إن مظاهر الاختلاف في مجال الأفكار بصورة أساسية ترجع إلى الأنواع المختلفة من الذكاء والتفكير، والى اهتمامات الفرد الخاصة وتوجيهها نحو وجهه محددة، وإلى نوعية المعلومات والتقنيات الخاصة بمجال العمل.
ولما كان جوردون Jordon  قد عرّف حل المشكلات بطريقة غير مألوفة بنشاط عقلي يمارسه الفرد في فهم المشكلة وتحديدها في أول الأمر، ثم في موقف حل المشكلة بعد ذلك بصورة ينتج عنها شيء جديد. فإن عالم النفس الروسي هنري التشار Henry Altshuller1948م كان ممن تحدثوا عن استراتيجيات حل المشكلات بشكل غير متوقع أو مألوف من خلال نظرية التريز Triz Theoryوهي الأحرف الأولى من الاسم الروسي للنظرية. التي جاءت جراء مسح مستفيض لأكثر من مائتي ألف براءة اختراع في مختلف المجالات، إذ يولد حل المشكلات جراء مشكلة ملحةّ تحتاج إلى حل. فعلى سبيل المثال توافر صفيحة معدنية مطلوب زيادة قوة تحملها، يولد مشكلة عند حلها في ظهور زيادة وزن الصفيحة نفسها.
إن إدراك التناقضات وإن كانت مهمة لابد منها للوصول إلى استيعاب الأشياء وما يرافقها، ولتطوير قدرات الفرد في تجاوز ما يتعرض له من مواقف ضاغطة تتطلب حلولا يفكر بها الأخر وتغيب عن محاولة الفرد في إيجاد حل مناسب. فإن هذا الفرد قد يلجأ من خلال طريقة الأفكار المتضادة إلى الموائمةAccommodation   بين مظاهر المشكلة المتناقضة. وعليه تحديد المشكلة بشكل واضح ودقيق. وقد أشار ميشالكو Michalko2000م إلى إن تحديد المشكلة بشكل دقيق يساعد على إزالة الحواجز التي تنشأ من الأفكار المسبقة التي تعيق التفكير فيها ويقترب منها ويبني معها علاقة ترابطية.
ولابد من صياغة المشكلة من خلال التناقضات التي تحويها، وما يمكن أن يترتب على تحسين بعض خصائصها، والبحث عن مشكلات سابقة تم حلها بطرائق غير عادية، واستثمار وسائل التقانة الحديثة وما توفره من إمكانات في تجاوز الواقع، وما قد ينجم عنها من تناقض أو صراع، مما يعني إن أدوات المعرفة تقدم تغذية راجعة خلال البحث عن حلول للمشكلات لأنها تساعد على تعرّف المشكلة بوضوح، ومن ثم الانتقال للبحث عن مشكلات وحلول مناظرة، وهي مرحلة لاحقة يمكن أن تؤدي إلى توليد أفكار على خلفية الحلول المناظرة لمشكلات مشابهة، وعادة ما يبدأ الحل الأوفر حظا للمشكلة بالتحليل ثم يتم الانتقال لعملية التناظر التي يمكن أن تثير أسئلة بشأن درجة ملائمة الحل وما الذي يجب وضعه بالحسبان ونعود للتحليل، ثم التناظر، فالرؤية، وهكذا يستمر التحسن وتوليد الأفكار.
وتتطلب طريقة الأفكار المتضادة ستخدام التفكير الاستعاري في حل المشكلات، إذ يدفع نحو التطور، والتحليق، وتجاوز الواقع، والفروض الجاهزة، بينما يعتمد حل المشكلات التقليدية على إدراك التفاصيل واستخدام المنطق لاستنتاج العلاقات والروابط بين الأجزاء والوصول إلى استيعاب المشكلة، وصياغتها بشكل كامل، ويتضمن عرض المشاكل التقليدية قيودا صارمة لتنمية وتطوير الحل وعادةً ما يتحدد عدد الحلول المقبولة أولا.
وتمرّ طريقة الأفكار المتضادة بثلاثة مراحل بحسب ما بيّن باركر Parker1974م وهي:
1. الالتزام Entrepreneurshipوليس التقيد، أي بذل الجهود وتنظيمها والحصول على المساعدات اللازمة والدعم المادي والمعنوي.
2. الاستثمار Investmentبمعنى توظيف ما متوافر من معلومات وتطويرها بعدّها وسيلة حل ممكنة.
3. التطوير Developmentأي محاولة فهم الفكرة الأصلية حتى تصل إلى مرحلة الاستيعاب، ومن ثم مراجعة التفاصيل وتوظيف المعلومات المهملة وتطويرها وتدقيق المتناقضات مما يوصلنا إلى فكرة جديدة.
وتأتي أهمية هذه الطريقة من الناحية النظرية في المصادر المحدودة التي تناولتها، ومن المتوقع أن تسهم هذه الإطلالة المبسّطة في تقديم معلومات قد تكون غير متاحة. فتوافر أداة تشخيصية قد يساعد في الكشف عن أفراد يملكون طاقات وقدرات تقدم خدماتها وجهودها للمجتمع، ولزيادة الوعي لمدى حاجة المجتمع لقدرات الأفكار المتضادة، ولتكوين اتجاهات ايجابية لدى المواطن نحوها وربط نتائجها وبعض المتغيرات الأخرى.
وذكر ريبوReebo إن توليد فكرة غير مسبوقة لم تخطر على عقل أحد من قبل ومن ثم تتحول إلى حقيقة واقعة يشير إلى وجودها في المخيلة فقط. ويقوم خيال الفرد بتوليد عدد من الأفكار غير المطروقة سابقا ولا يمكن التعبير عنها بسهولة، من خلال رؤية العالم بأساليب تحلق فوق الواقع، ويستند في جوهره على رؤية الأشياء بطرائق غير مألوفة، ومن زوايا غير عادية.
وبيّن جيلهولي Jelholi 1989م بأن الأفكار المتضادة تمكن الفرد من اكتشاف العلاقة بين أفكاره بوساطة قوانين سبق وتعلمها، وأفكار الآخرين ليطبقها في حل مشكلة جديدة.
 إن انتباه ذوي الأفكار المتضادة وإن كان يتميز بالسعة والشدة ليشمل قدراً واسعاً من المثيرات، فإنهم يستخدمون التحليل في تعاملهم مع المثيرات، ولا يلجأون إلى التخمين عند محاولة استيعاب ما يصدر عن الآخرين، والتعامل مع المجال بعناصره المتضادة في اتجاهاتها، ويستثمرون حواسهم بدرجة كبيرة عند التعامل مع المثيرات والمعلومات المقدمة لهم، ويلجأون إلى التخيل، ومحاولة التحليق خارج الموضوع عند تبادل المعلومات والأفكار مع الآخرين، وتدفعهم الفروق الفردية في محاولة التوافق مع المواقف إلى خزن المعلومات بصور عقلية أو تخيلات مرئية.
 
 
 
 
 
 
 
 

*. أفكار Thoughts مصطلح عام، يشتمل على العمليات المعرفية كافة. وهناك اختبار يسمى باختبار الأضداد Opposites Test يطلب فيه من المستجيب تقديم كلمة تعاكس (بالضد) من ما يطرح عليه.
*. إيجاد الفوضى بمعنى بعثرة، وإعادة خلط أجزاء المشكلة لتكوين علاقات جديدة (الباحث).


No comments:

Post a Comment